فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 185
استهدفته الآيات. وفي السّور السّابقة آيات وعبارات انطوى فيها ذلك ممّا يصحّ أن يعدّ من المبادئ القرآنيّة المحكمة.
ويلفت النّظر إلى ما بين هذه المقدّمة وبين آيات السّورة السّابقة الأخيرة من تساوق تأكيديّ في صدد غفران الذّنوب وقبول التّوبة، وتقرير كون كلمة العذاب إنّما حقّت على الكافرين المكابرين، الكاذبين على اللّه المكذّبين بآياته، ممّا يمكن أن يكون قرينة مّا على صحّة ترتيب نزول هذه السّورة بعد سورة الزّمر. (5: 104)
الطّباطبائيّ: لمّا ذكر تنزيل الكتاب وأشار إلى الحجّة الباهرة على حقّيّته، المستفادة من صفاته الكريمة المعدودة في الآيتين، الدّالّة على أنّه منزّل بعلمه الّذي لا يشوبه جهل، وبالحقّ الّذي لا يدحضه باطل، تعرّض لحال الّذين قابلوا حججه الحقّة بباطل جدالهم، فلوّح إلى أنّ هؤلاء أهل العقاب وليسوا بفائتين ولا مغفولا عنهم، فإنّهم كما نزّل الكتاب ليغفر الذّنب ويقبل التّوب، كذلك نزّله ليعاقب أهل العقاب فلا يسوؤنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جدالهم ولا يغرّنّه ما يشاهده من حالهم.
فقوله: ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ لم يقل: ما يجادل فيه، أي في القرآن، ليدلّ على أنّ الجدال في الحقّ الّذي تدلّ عليه الآيات بما هي آيات، على أنّ طرف جدالهم هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو داع إلى الحقّ تدلّ عليه الآيات، فجدالهم لدفع الحقّ لا للدّفاع عن الحقّ؛ على أنّ الجدال في الآية التّالية مقيّدة بالباطل لإدحاض الحقّ.
فالمراد بالمجادلة في آيات اللّه هي المجادلة لإدحاضها ودفعها وهي المذمومة، ولا تشمل الجدال لإثبات الحقّ والدّفاع عنه، كيف؟ وهو سبحانه يأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك إذا كان جدالا بالّتي هي أحسن، قال تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النّحل: 125. (17: 305)
مكارم الشّيرازيّ:"يجادل"مشتقّة من"جدل"وهي في الأصل تعني لفّ الحبل وإحكامه، ثمّ عمّ استخدامها في الأبنية والحديد وما شابه، ولهذا فإنّ كلمة"مجادلة"تطلق على الّذين يقفون في قبال أحدهم الآخر؛ إذ يريد كلّ شخص أن يلقي حجّته، ويثبت كلامه، ويغلب خصمه.
ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ كلمة"المجادلة"لا تعتبر مذمومة دائما من وجهة اللّغة العربيّة، بل إنّها تعتبر إيجابيّة ومطلوبة إذا كانت المجادلة في طريق الحقّ، وتستند على المنطق وتهدف إلى تبيين الحقائق وإرشاد الأشخاص الجهلة، أمّا إذا كانت على أسس واهية من أسباب التّعصّب والجهل والغرور، وتستهدف خداع هذا وذاك، فتكون عند ذلك مذمومة.
القرآن الكريم استخدم كلمة"المجادلة"في كلا مورديها، إذ نقرأ في الآية:"125"من سورة النّحل قوله تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
إلّا أنّه في موارد أخرى، كما في الآية أعلاه وفيما بعدها، فقد وردت"المجادلة"بمعنى الذّمّ ...
المجادلة في القرآن الكريم:
لقد وردت كلمة"المجادلة"خمس مرّات في هذه السّورة المباركة، وهي جميعا تختصّ بالمجادلة السّلبيّة الباطلة، والآيات الّتي اشتملت على ذكر المجادلة هي"4، 5، 35، 56، 69"وبهذه المناسبة لا بأس بالتّعرّض