فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 187
فالقرآن لم يعارض أبدا البحث والنّقاش الاستدلاليّ والموضوعيّ الّذي يستهدف إظهار الحقّ، بل حثّ ذلك في العديد من الآيات القرآنيّة. وفي مواقف معيّنة طالب القرآن المعارضين بالإتيان بالدّليل والبرهان، فقال:
هاتُوا بُرْهانَكُمْ البقرة: 111.
وفي المواقف الّتي كانت تتطلّب إظهار البرهان والدّليل، ذكر القرآن أدلّة مختلفة، كما نقرأ ذلك في آخر سورة"يس"حين جاء ذلك الرّجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يمسك بيده عظما، فقال له سائلا: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ يس: 78، فذكر القرآن عددا من الأدلّة على لسان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في قضيّة المعاد وقدرة الخالق على إحياء الموتى.
وفي القرآن نماذج أخرى واضحة على الجدال الإيجابيّ، كما في الآية (258) من سورة البقرة، الّتي تعكس كلام إبراهيم عليه السّلام وأدلّته القاطعة أمام نمرود، والآيات (47 - 54) من سورة"طه"تعكس تحاجج موسى وفرعون.
القرآن إذا ملي ء بالأدلّة المختلفة الّتي أقامها الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في مقابل عبدة الأصنام والمشركين وأصحاب الذّرائع.
وفي الجانب الآخر يذكر القرآن الكريم نماذج أخرى من مجادلات أهل الباطل، لإثبات دعاواهم الباطلة من خلال استخدام السّفسطات الكلاميّة والحجج الواهية، الّتي استهدفوا من خلالها إبطال الحقّ وغواية عوامّ النّاس.
إنّ السّخريّة والاستهزاء والتّهديد والافتراء والإنكار الّذي لا يقوم على دليل، هي مجموعة من الأساليب الّتي يعتمدها الظّالمون الضّالّون إزاء الأنبياء ودعواتهم الكريمة، أمّا الاستدلال الممزوج بالعاطفة والحبّ والرّأفة بالنّاس، فهو أسلوب الأنبياء، رسل السّماء إلى الأرض.
في الرّوايات الإسلاميّة والتّاريخ الإسلاميّ آثار كثيرة وغنيّة عن مناظرات الرّسول الأكرم صلّى اللّه عليه وسلّم وأئمّة أهل البيت عليهم السّلام مع المعارضين، وإذا ما توفّر جهد معيّن على جمعها وتصنيفها فإنّها ستشكّل كتابا كبيرا وضخما للغاية. وقد قام العلّامة الشّيخ الطّبرسيّ بجمع بعضها في كتابه"الاحتجاج".
وبالطّبع لم ينحصر مقام المجادلة بالّتي هي أحسن، ومناظرة الخصوم على المعصومين وحسب، وإنّما برزت قابليّات كبيرة من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأئمّة أهل البيت عليهم السّلام، ممّن كانت حججهم ترعب الخصوم.
ونلاحظ هنا أنّ الأئمّة عليهم السّلام كانوا يحثّون من يجدون فيه القدرة الكافية والمنطق القويّ المتين للقيام بهذه الوظيفة، وبدون أسلوب المجادلة الإيجابيّ قد تضعف جبهة الحقّ ويقوى عود خصومها، ويجدون في أنفسهم الجرأة في مواجهة الحقّ والتّمادي في عنادهم.
وفي هذا الاتّجاه نقرأ في حديث، أنّ أحد أصحاب الإمام الصّادق عليه السّلام يلقّب ب"الطّيّار"ويدعى حمزة بن محمّد جاء إلى الإمام الصّادق وقال له:"بلغني أنّك كرهت مناظرة النّاس"فأجابه الإمام عليه السّلام بقوله:"أمّا"