فهرس الكتاب

الصفحة 4735 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 188

مثلك فلا يكره، من إذا طار يحسن أن يقع، وإن وقع يحسن أن يطير، فمن كان هذا لانكرهه"."

كلام جميل يشير بوضوح كاف إلى القوّة والمتانة في قدرة الاستدلال والمناظرة لدى الشّخص المعنيّ"الطّيّار"، وفي الكلام أيضا إشارة إلى ضرورة الاستعداد وبذل الجهد لمن يريد خوض المناظرة مع الخصوم، كي يكون بمقدوره استخلاص النّتائج وإنهاء البحث، والتّهيّؤ لكافّة الاحتمالات المتوقّعة من الخصم، بمستوى من السّيطرة الكاملة على الموقف من البحوث الاستدلاليّة، حتّى لا يحسب ضعف منطقهم بأنّه بسبب ضعف دينهم ومذهبهم.

ج- الآثار السّيّئة للجدال السّلبيّ:

صحيح أنّ البحث والنّقاش هو مفتاح لحلّ المشاكل، إلّا أنّ هذا الأمر يصحّ في حال رغبة الطّرفين في نشدان الحقّ والبحث عن الطّريق الصّحيح، أو على الأقلّ يكون أحد الطّرفين متمسّكا بالحقّ ومستهدفا السّبيل إليه فيما يخوض من نقاش ومناظرة.

أمّا أن يكون النّقاش والجدل بين الطّرفين بهدف التّفاخر واستعراض القوّة، وفرض الرّأي على الطّرف الثّاني عن طريق إثارة الضّجّة، فإنّ عاقبة هذا الأمر لا تكون سوى الابتعاد عن الحقّ وعشعشة الظّلمة في القلوب، وتجذّر العداء والحقد لا غير؛ ولهذا السّبب نهت الرّوايات والأحاديث الإسلاميّة عن المراء والجدال الباطل، وفي هذه المرويّات إشارات كبيرة المعنى إلى الآثار السّيّئة لهذا النّوع من الجدال.

ففي حديث عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب نقرأ قوله عليه السّلام:"من ضنّ بعرضه فليدع المراء"لأنّ في هذا النّوع من النّقاش سوف ينحدر بالكلام تدريجيّا، ليصل إلى مناحي الاستهانة وعدم الاحترام وتبادل الكلام المبتذل القبيح، وترامي الاتّهامات الباطلة.

وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين أيضا نقرأ وصيّته عليه السّلام؛ إذ يقول:"إيّاكم والمراء والخصومة فإنّهما يمرضان القلوب على الإخوان، وينبت عليهما النّفاق".

إنّ مثل هذا النّوع من الجدال والّذي يكون عادة فاقدا للالتزام بالأصول الصّحيحة للبحث والاستدلال، سيقوّي روح اللّجاجة والتّعصّب والعناد لدى الأشخاص؛ بحيث يستخدم كلّ طرف- بهدف التّغلّب على خصمه والانتصار لنفسه- كلّ الأساليب حتّى تلك الّتي تنطوي على الكذب والتّهمة، ومثل هذا العمل لا يمكن أن تكون عاقبته إلّا السّوء والحقد، وتنمية جذور النّفاق في الصّدور.

إنّ واحدة من المفاسد الكبيرة الأخرى للجدال السّلبيّ المنهيّ عنه، هو تمسّك الطّرفين بانحرافاتهم وأخطائهم وإصرارهم على اشتباهاتهم، في موقف عنيد بعيد عن الحقّ والصّواب؛ ذلك لأنّ كلّ طرف يحاول ما استطاع التّمسّك بأيّ دليل والتّشبّث بالباطل، لفرض رأيه وإثبات كلامه، وهو في ذلك مستعدّ لأن يتجاهل الكلام الحقّ الّذي يصدر من خصمه، أو أنّه ينظر إليه بعدم الرّضا والقبول. وهذا بحدّ ذاته يزيد من الانحراف والاشتباه والخطأ.

د- أسلوب المجادلة بالتّي هي أحسن:

لا يستهدف"الجدال الإيجابيّ"تحقير الطّرف الآخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت