فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 189
أو الانتصار عليه، من خلال إحراز التّفوّق أو الغلبة، بل هو يهدف الدّخول إلى عمق أفكاره وروحه، لهذا فإنّ أسلوب المجادلة بالتّي هي أحسن يختلف كلّيّا عن الجدال السّلبيّ أو الباطل.
ولكي يؤثّر الطّرف المجادل معنويّا على الطّرف الآخر، عليه الاستفادة من الأساليب الآتية الّتي أشار إليها القرآن الكريم بشكل جميل:
1 -ينبغي عدم الإصرار على الطّرف المقابل بقبول الكلام على أنّه هو الحقّ، بل على المجادل إذا استطاع أن يجعل الطّرف المقابل يعتقد بأنّه هو الّذي توصّل إلى هذه النّتيجة، وهذا الأسلوب سيكون أكثر تأثيرا. بعبارة أخرى: من المفيد للطّرف المقابل أن يعتقد بأنّ النّتيجة أو الفكرة نابعة من أعماقه وهي جزء من روحه، كي يتمسّك بها أكثر ويذعن لها بشكل كامل.
وقد يكون هذا الأمر هو سرّ ذكر القرآن للحقائق المهمّة كالتّوحيد ونفي الشّرك وغير ذلك على شكل استفهام، أو أنّه بعد أن ينتهي من استعراض وذكر أدلّة التّوحيد يقول: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ النّمل: 60.
2 -يجب الامتناع عن كلّ ما يثير صفة العناد واللّجاجة لدى الطّرف الآخر؛ إذ يقول القرآن الكريم:
وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الأنعام: 108 كي لا يصرّ هؤلاء على عنادهم ويهينوا الخالق جلّ وعلا بتافه كلامهم.
3 -يجب مراعاة منتهى الإيضاح في النّقاش مع أيّ شخص أو أيّ مجموعة، كي يشعر الطّرف المقابل بأنّ المتحدّث إليه يبغي حقّا توضيح الحقائق لا غير، فعندما يتحدّث القرآن عن مساوئ الخمر والقمار، فهو لا يتجاهل المنافع الثّانويّة المادّيّة والاقتصاديّة الّتي يمكن أن يحصل عليها البعض منهما، فيقول: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما البقرة: 219، إنّ هذا الطّراز من الحديث يحمل آثارا إيجابيّة كبيرة على المستمع.
4 -يجب عدم الرّدّ بالمثل حيال المساوئ والأحقاد الّتي قد تطفح من الخصم، بل يجب سلوك طريق الرّأفة والحبّ والعفو ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا؛ إذ إنّ الرّدّ بهذا الأسلوب الودود يحمل في مثل هذه الحالات تأثيرا كبيرا على معنويّات الطّرف الآخر ونفسيّته، وقد يدفع إلى تليين قلوب الأعداء المعاندين، كما يقول القرآن الكريم ويحثّ على ذلك: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ فصّلت: 34.
إنّ الخلاصة الّتي يمكن أن ينتهي إليها القول، هي أنّ أيّ بحث متأمّل وفاحص في أسلوب نقاشات الأنبياء عليهم السّلام مع الأعداء والظّالمين والجبّارين، كما يعكسها القرآن الكريم، أو كما تعكسها تلك المناظرات العقائديّة بين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أو أئمّة أهل البيت المعصومين وبين أعدائهم وخصومهم، ينتهي إلى دروس تربويّة في هذا المجال تطوي في تضاعيفها أدقّ الأساليب والوسائل النّفسيّة الّتي تسهّل لنا النّفوذ إلى أعماق الآخرين. وبهذا الخصوص ينقل العلّامة المجلسيّ في"بحار الأنوار"رواية مفصّلة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم