فهرس الكتاب

الصفحة 4740 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 193

الكلام: جادلنا، لأنّ جواب (لمّا) إنّما يكون ماضيا، فأقام المستقبل مقام الماضي، كما يجعل الماضي مقام المستقبل في الشّرط والجزاء، وإن كان حقّه أن يكون مستقبلا.

وقيل: إنّما أقيم المضارع مقام الماضي على طريق حكاية، كقوله تعالى: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ الكهف: 18؟ فأعمل"باسطا"وهو لما مضى، لأنّه أراد حكاية الحال. (2: 24)

الفخر الرّازيّ: واعلم أنّ قوله: يُجادِلُنا أي يجادل رسلنا.

فإن قيل: هذه المجادلة إن كانت مع اللّه تعالى فهي جراءة على اللّه، والجراءة على اللّه تعالى من أعظم الذّنوب، ولأنّ المقصود من هذه المجادلة إزالة ذلك الحكم، وذلك يدلّ على أنّه ما كان راضيا بقضاء اللّه تعالى وأنّه كفر. وإن كانت هذه المجادلة مع الملائكة فهي أيضا عجيبة، لأنّ المقصود من هذه المجادلة أن يتركوا إهلاك قوم لوط. فإن كان قد اعتقد فيهم أنّهم من تلقاء أنفسهم يجادلون في هذا الإهلاك فهذا سوء ظنّ بهم، وإن اعتقد فيهم أنّهم بأمر اللّه جاءوا، فهذه المجادلة تقتضي أنّه كان يطلب منهم مخالفة أمر اللّه تعالى، وهذا منكر.

والجواب من وجهين:

الوجه الأوّل:- وهو الجواب الإجماليّ- أنّه تعالى مدحه عقيب هذه الآية، فقال: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ هود: 75، ولو كان هذا الجدل من الذّنوب لما ذكر عقيبه ما يدلّ على المدح العظيم.

والوجه الثّاني:- وهو الجواب التفصيليّ- أنّ المراد من هذه المجادلة سعي إبراهيم في تأخير العذاب عنهم، وتقريره من وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ الملائكة قالوا: إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ فقال إبراهيم: أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين أتهلكونها؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟

قالوا: لا، قال: فثلاثون؟ قالوا: لا، حتّى بلغ العشرة قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا، فعند ذلك قال: إنّ فيها لوطا. وقد ذكر اللّه تعالى هذا في سورة العنكبوت، فقال: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ ....

ثمّ قال: وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِي ءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ العنكبوت: 33. فبان بهذا أنّ مجادلة إبراهيم عليه السّلام إنّما كانت في قوم لوط، بسبب مقام لوط فيما بينهم.

الوجه الثّاني: يحتمل أن يقال: إنّه عليه السّلام كان يميل إلى أن تلحقهم رحمة اللّه بتأخير العذاب عنهم، رجاء أنّهم ربّما أقدموا على الإيمان والتّوبة عن المعاصي، وربّما وقعت تلك المجادلات بسبب أنّ إبراهيم كان يقول: إنّ أمر اللّه ورد بإيصال العذاب. ومطلق الأمر لا يوجب الفور بل يقبل التّراخي فاصبروا مدّة أخرى، والملائكة كانوا يقولون: إنّ مطلق الأمر يقبل الفور، وقد حصلت هناك قرائن دالّة على الفور، ثمّ أخذ كلّ واحد منهم يقرّر مذهبه بالوجوه المعلومة، فحصلت المجادلة بهذا السّبب، وهذا الوجه عندي هو المعتمد.

الوجه الثّالث في الجواب: لعلّ إبراهيم عليه السّلام سأل عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت