فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 196
عسى أن يكون هناك خمسون بارّا في المدينة، أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارّا الّذين فيه؟
فقال الرّبّ: إن وجدت في سدوم خمسين بارّا فإنّي أصفح عن المكان كلّه من أجلهم، ثمّ كلّمه إبراهيم مثل هذا في خمسة وأربعين، ثمّ في أربعين ثمّ في ثلاثين ثمّ في عشرين ثمّ في عشرة، والرّبّ يعده في كلّ من هذه الأعداد بأنّه من أجلهم لا يهلك القوم. وذهب الرّبّ عند ما فرغ من الكلام مع إبراهيم إلى مكانه"."
مغنيّة: قال جمهور المفسّرين ومنهم الرّازيّ وصاحب"المنار": لم يجادل إبراهيم من أجل قوم لوط، وإنّما جادل من أجل لوط، وأنّه خاف أن يصيبه ما يصيب قومه من العذاب، واستدلّ المفسّرون على ذلك بالآية: (32) من سورة العنكبوت: قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ والصّحيح أنّ هذه الآية لا تمتّ إلى مجادلة إبراهيم بصلة، وإنّما هي مجرّد إخبار منه بأنّ فيها لوطا، ولذا قالوا له: نحن أعلم بمن فيها. والآية الّتي نفسّرها نصّ في المجادلة من أجل قوم لوط، لامن أجل لوط، بالإضافة إلى قوله تعالى: وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ هود: 76، فالضّمير في (انّهم) و (اتيهم) يعودان إلى قوم لوط الّذين جادل إبراهيم فيهم ومن أجلهم.
ولكنّ المفسّرين قالوا: إنّ المجادلة في قوم لوط جرأة على اللّه وإبراهيم عليه السّلام معصوم عن الذّنب، فلا بدّ أن تكون المجادلة في لوط، لا في قومه.
ويلاحظ أوّلا: لا فرق بين المجادلة في لوط، وفي قومه، فإن كانت هذه جرأة فكذلك تلك.
ثانيا: إنّ المجادلة مع اللّه في دفع العذاب عن عباده أو تأخيره ليست من الذّنب والمعصية في شي ء، بل العكس هو الصّحيح، لأنّ هذه المجادلة لا مخالفة فيها ولا نزاع، وإنّما هي من باب طلب الرّحمة من القويّ للضّعيف، وهذا الطّلب يدلّ على الحلم والرّأفة، ولذا أثنى اللّه على إبراهيم بأجمل الثّناء، ووصفه بأنّه (حليم اوّاه منيب) بعد أن سأله الرّفق بقوم لوط.
ثالثا: إنّ إبراهيم جادل في قوم لوط ليكون على يقين من أنّهم بلغوا من التّمرّد الحدّ الّذي لا يرجى معه صلاحهم وهدايتهم، تماما كقوله: بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي البقرة: 260، ويؤكّد إرادة هذا المعنى قوله سبحانه: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ هود: 76، أي لا تسألني يا إبراهيم في قوم لوط، فإنّهم مهلكون لا محالة، لإصرارهم على الشّرك والفساد، وأيأس منهم ومن توبتهم. (4: 250)
عبد الكريم الخطيب: التّقدير: فلمّا ذهب عن إبراهيم الرّوع، أي الخوف، وجاءته البشرى ها هو ذا يجادلنا في قوم لوط! وفي هذا إنكار على إبراهيم أن يقف في هذا الموقف، فيجادل عن قوم قد بلغوا من السّوء ما أنكرته الأرض عليهم.
ثمّ لا يكاد إبراهيم يأخذ في المجادلة حتّى يجيئه أمر اللّه يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا هود: 76.
ولو جاء جواب (لمّا) فعلا ماضيا هكذا"جادلنا"