فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 197
لما كان لهذا الأمر، في قوله تعالى: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا هذا الوقع الصّادع على نفس إبراهيم، ولأفلت من يده ما كان ممسكا به من المجادلة، لأنّه كان قد جادل فعلا، وانتهى الأمر.
أمّا في هذه الحالة، فهو لا يزال يسأل ربّه العفو والرّحمة لهؤلاء القوم، ولا تزال الكلمات على شفتيه.
فإذا سمع أمر اللّه بالإعراض عن هذا، أمسك لسانه وابتلع ما كان يجري عليه من كلمات.
وفي التّعبير عن مراجعة إبراهيم ربّه في قوم لوط بالجدل وتسميته جدلا، إشارة إلى أنّ ما كان من إبراهيم هو مجرّد جدل، وأنّ الجدل لا يثمر ثمرا نافعا، ولا يبلغ بصاحبه غاية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى ما كان من إبراهيم في هذا المقام، فقال تعالى: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ ... [إلى نحن أعلم بمن فيها]
وأنت ترى أنّ إبراهيم كان مجادلا للملائكة، ولم يكن مجادلا للّه. ولكنّهم إذ كانوا رسل اللّه، والأمناء على ما أرسلوا به، فقد جعل جدله للملائكة جدلا للّه سبحانه وتعالى. وفي هذا تكريم لرسل اللّه، وإضافة لهم إلى اللّه ربّ العالمين. (6: 1174)
طه الدّرّة: يُجادِلُنا مضارع والفاعل يعود إلى إبراهيم، و (نا) مفعول به، (فى قوم) متعلّقان بما قبلهما، و (قوم) مضاف، و (لوط) مضاف إليه، وجملة يُجادِلُنا ... في محلّ نصب خبر ل"أخذ"محذوفا، وهو من أفعال الشّروع. أو هي في محلّ نصب حال، عامله محذوف، التّقدير: أقبل يجادلنا ... وعلى هذين التّقدير فالجملة الفعليّة جواب (لمّا) لا محلّ لها. هذا وقيل: إنّ الجواب هو جملة يُجادِلُنا ... على تأويل المضارع بالماضي، و (لمّا) ومدخولها كلام مستأنف لا محلّ له. (6: 342)
مكارم الشّيرازيّ: إيضاح: هذه الصّفات المذكورة لإبراهيم في المجادلة تشير إلى أنّ مجادلته كانت ممدوحة؛ وذلك لأنّ إبراهيم لم يتّضح له أنّ أمر العذاب صادر من قبل اللّه بصورة قطعيّة، بل كان يحتمل أنّه لا يزال لهم حظّ في النّجاة، ويحتمل أنّهم سيرتدّون عن غيّهم ويتّعظون. ومن هنا فما زال هناك مجال للشّفاعة لهم، فكان راغبا في تأخير العذاب والعقاب عنهم، لأنّه كان حليما، ومشفقا وأوّاها ومنيبا إلى اللّه.
فعلى هذا قال بعضهم: إذا كانت مجادلة إبراهيم مع اللّه فلا معنى لها، وإذا كانت مع رسله فهم أيضا لا يستطيعون أن يفعلوا شيئا من أنفسهم، فعلى كلّ حال فالمجادلة هذه غير صحيحة.
والجواب أنّه لا كلام في الحكم القطعيّ. أمّا لو كان الحكم غير قطعيّ فمع تغيير الظّروف وتبدّل الأوضاع يمكن تغييره، لأنّ طريق الرّجوع لم يزل مفتوحا، وبتعبير آخر فإنّ الأوامر في هذه الحالة مشروطة لا مطلقة.
وأمّا من احتمل أنّ المجادلة كانت مع الرّسل في شأن نجاة المؤمنين، استشهدوا على هذا القول بالآيتين (31، 32) من سورة العنكبوت وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا ....
فهذا الاحتمال غير صحيح ولا ينسجم مع الآية الّتي تأتي بعدئذ، وهي محلّ بحثنا.