فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 221
التّعامل مع عبدة الأصنام اللّجوجين، وكان مقتضى الحال أن يكون الكلام شديد اللّهجة حادّا، وأن يعدّ ما يعبدون من دون اللّه أوهى من بيت العنكبوت، أمّا في هذه الآيات- محلّ البحث- فيقع الكلام في شأن مجادلة أهل الكتاب الّذين ينبغي أن يكون الكلام معهم لطيفا إذ أنّهم- على الأقلّ- قد سمعوا قسما ممّا جاء به الأنبياء والكتب السّماويّة، ولديهم استعداد أكثر للتّعامل المنطقيّ، إذ ينبغي أن يكلّم كلّ شخص بمقدار علمه وميزانه الخلقيّ والعقليّ!
فيقول القرآن في هذا الصّدد أوّلا: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.
وَلا تُجادِلُوا مشتقّ هذا اللّفظ من"الجدال"الّذي معناه في الأصل فتل الحبل وإحكامه، كما تستعمل هذه الدّلالة و"الخصوصيّة"في البناء المحكم وما أشبهه، وحين يتناقش اثنان في بحث معيّن فكلّ واحد منهما- في الحقيقة- يريد أن يلوي صاحبه عن عقيدته وفكرته.
لذا فقد سمّي هذا النّقاش جدالا. كما يرد هذا التّعبير في النّزاع أيضا، وعلى كلّ حال فإنّه المراد من قوله:
وَلا تُجادِلُوا المناقشات المنطقيّة.
والتّعبير ب"التى هى احسن"تعبير جامع يشمل الأساليب والطّرق الصّحيحة والمناسبة للتّباحث أجمع، سواء كان ذلك في الألفاظ أو المحتوى، وسواء كان في طريقة الكلام أو الحركات والإشارات الّتي تصاحبه.
فعلى هذا يكون مفهوم الجملة المتقدّمة: إنّ ألفاظكم ينبغي أن تكون بطريقة مؤدّبة والكلام ذا مودّة والمحتوى ذا استدلال، وصوتكم هادئا غير خشن، ولا متجاوز لحدود الأخلاق أو مقتض لهتك الحرمة وكذلك بالنّسبة لحركات الأيدي والعيون والحواجب الّتي تكمّل البيان، ينبغي أن تكون هذه الحركات ضمن هذه الطّريقة المؤدّبة. وكم هو جميل هذا التّعبير القرآنيّ إذ أوجز عالما من المعاني الخفيّة في جملة قصيرة.
كلّ هذه الأمور لأجل أنّ الهدف من وراء النّقاش والبحث ليس هو طلب التّفوّق وجعل الطّرف الآخر خجلا مندحرا، بل الهدف منه أن يكون الكلام ذا تأثير حتّى ينفذ في القلب وفي أعماق الطّرف الآخر. وخير السّبل للوصول إلى هذا الهدف هو هذا الأسلوب القرآنيّ.
وكثيرا ما يتّفق أنّه لو استطاع الإنسان أن يعكس قول الحقّ بصورة يراها الطّرف الآخر من فكره وطريقته، فسرعان ما ينعطف إليه ومنسجم معه، لأنّ الإنسان ذو علاقة بفكره كما هو ذو علاقة بأبنائه.
وهكذا فإنّ القرآن الكريم يثير كثيرا من المسائل على صورة السّؤال والاستفهام ليستحصل على جوابه من داخل فكر المخاطب فيراه منه. (12: 377)
فضل اللّه: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ بالكلمة الحلوة الهادئة المعبّرة الواضحة، والأسلوب الحكيم الّذي يرصد المشاعر والأحاسيس ليحترمها، ويدرس الذّهنيّة لدى الطّرف الآخر للحوار ليتعامل معها من خلال نقاط الضّعف والقوّة، والجوّ الملائم الّذي يدرس الظّروف المحيطة بالمسألة، ليحشد فيه كلّ ما يمكن أن يثير التّفكير، ويبعد الانفعال، ويقرّب من الاقتناع الهادئ العميق، لتكون المسألة