فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 225
من أحد وجهيه غير جائز فعله بحال، ومن الوجه الآخر غير جائز تركه بحال. فأيّ وجوهه الّتي خصّ بالنّهي عنه حال الإحرام؟ وكذلك لا وجه لقول من تأوّل ذلك أنّه بمعنى السّباب، لأنّ اللّه تعالى ذكره قد نهى المؤمنين بعضهم عن سباب بعض على لسان رسوله عليه الصّلاة والسّلام في كلّ حال، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم:"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". فإذا كان المسلم عن سبّ المسلم منهيّا في كلّ حال من أحواله، محرما كان أو غير محرم، فلا وجه لأن يقال: لا تسبّه في حال الإحرام إذا أحرمت.
الزّجّاج: وقالوا في قوله: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ قولين: قالوا: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ: لا شكّ في الحجّ، وقالوا: لا ينبغي للرّجل أن يجادل أخاه فيخرجه الجدال إلى مالا ينبغي تعظيما لأمر الحجّ، وكلّ صواب، ويجوز:
(فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ) ... وبعضهم يقرأ- وهو أبو عمرو- (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ) وكلّ صواب.
وقد شرحنا أنّ"لا"تنصب النّكرات بغير تنوين، وبيّنّا حقيقة نصبها. وزعم سيبويه والخليل أنّه يجوز أن ترفع النّكرات بتنوين. [إلى أن قال:]
وحقيقة ما ارتفع بعدها- عند بعض أصحابه- على الابتداء، لأنّه إذا لم تنصب فإنّما يجري ما بعدها كما يجري ما بعد"هل"أي لا تعمل فيه شيئا، فيجوز أن يكون (لا رفث) على ما قال سيبويه، ويجوز أن يكون على الابتداء كما وصفنا، ويكون (فى الحجّ) هو خبر لهذه المرفوعات، ويجوز إذا نصبت ما قبل المرفوع بغير تنوين وأتيت بما بعده مرفوعا أن يكون عطفا على الموضع، ويجوز أن يكون رفعه على ما وصفنا، فأمّا العطف على الموضع إذا قلت: لا رجل وغلام في الدّار، فكأنّك قلت:
ما رجل ولا غلام في الدّار. (1: 270)
القمّيّ: الجدال: الخصومة، وهي قول: لا واللّه وبلى واللّه. (1: 69)
القفّال: يدخل في هذا النّهي ما جادلوا فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أمرهم بفسخ الحجّ إلى العمرة، فشقّ عليهم ذلك، وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منيّا؟ فقال عليه الصّلاة والسّلام:"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة"، وتركوا الجدال حينئذ. (الفخر الرّازيّ 5: 181)
الجصّاص: جميع ما ذكر من هذه المعاني [في الرّفث، والفسوق، والجدال] عن المتقدّمين جائز أن يكون مراد اللّه تعالى، فيكون المحرم منهيّا عن السّباب والمماراة في أشهر الحجّ، وفي غير ذلك. [إلى أن قال:]
ويكون تخصيصه إيّاها بحال الإحرام تعظيما للإحرام، وإن كانت محظورة في غيره ...
وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ قد تضمّن النّهي عن مماراة صاحبه ورفيقه وإغضابه به، وحظر الجدال في وقت الحجّ على ما كان عليه أمر الجاهليّة، لأنّه قد استقرّ على وقت واحد، وأبطل به النّسي ء الّذي كان أهل الجاهليّة عليه، وهو معنى قوله عليه السّلام:"ألا إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق السّماوات والأرض"يعني عود الحجّ إلى الوقت الّذي جعله اللّه له، واتّفق ذلك في حجّة النّبيّ عليه السّلام.