المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 226
وقوله: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ وإن كان ظاهره الخبر، فهو نهي عن هذه الأفعال. وعبّر بلفظ النّفي عنها، لأنّ المنهيّ عنه سبيله أن يكون منفيّا غير مفعول، وهو كقوله في الأمر: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ ... يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ* البقرة: 233، 234، وما جرى مجراه صيغته صيغة الخبر، ومعناه الأمر.
الطّوسيّ: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ فالّذي رواه أصحابنا أنّه قول: لا واللّه، وبلى واللّه، صادقا وكاذبا.
[إلى أن قال:]
ومن نصب"الثّلاثة"أخرج اللّفظ مخرج عموم النّفي، للمبالغة في معنى النّفي. ومن رفع بعضا ونصب بعضا، فلاختلاف المعنى، لأنّ الأوّل على معنى النّهي والثّاني بمعنى الإخبار عن زمان الحجّ: قد استدار في ذي الحجّة، فكان أحقّ بالنّصب، لعموم النّفي. فأمّا الأوّل، فقد يقع من الخاطئ، فلا يصحّ فيه عموم النّفي، هذا قول النّحويّين.
والصّحيح أنّ الكلّ معناه النّهي، وإن خرج مخرج النّفي والإخبار، والمراد به النّهي بلا خلاف. (2: 164)
نحوه الطّبرسيّ. (1: 294)
الواحديّ: هو أن يجادل صاحبه ويماريه حتّى يغضبه، نهي المحرم عن هذا. وذكرنا وجه انتصاب قوله: فَلا رَفَثَ عند قوله: لا رَيْبَ فِيهِ البقرة: 2.
ومن قرأ بالرّفع شبّه"لا"ب"ليس" [ثمّ استشهد بشعر]
ولم يختلفوا في نصب وَلا جِدالَ وذلك أنّ معنى الأوّلين: النّهي، كأنّه قيل: لا ترفثوا ولا تفسقوا، ومعنى الثالث: الخبر، لأنّ معناه: لا جدال في أنّ الحجّ في ذي الحجّة. وهذا قول مجاهد وأبي عبيدة، قالا: معناه:
ولا شكّ في الحجّ أنّه في ذي الحجّة، إبطالا للنّسي ء الّذي كان يفعله أهل الجاهليّة. وأرادوا الفرق بين اللّفظين، ليكون مخالفة ما بينهما في اللّفظ، كمخالفة ما بينهما في المعنى. (1: 301)
الزّمخشريّ: ولامراء مع الرّفقاء، والخدم والمكّارين، وإنّما أمر باجتناب ذلك- وهو واجب الاجتناب في كلّ حال- لأنّه في الحجّ أسمج، كلبس الحرير في الصّلاة، والتّطريب في قراءة القرآن، والمراد بالنّفي وجوب انتفائها وأنّها حقيقة بأن لا تكون.
وقرئ المنفيّات الثّلاث بالنّصب وبالرّفع. وقرأ أبو عمر وابن كثير الأوّلين بالرّفع والآخر بالنّصب، لأنّهما حملا الأوّلين على معنى النّهي، كأنّه قيل:
فلا يكوننّ رفث ولا فسوق، والثّالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال، كأنّه قيل: ولا شكّ ولا خلاف في الحجّ؛ وذلك أنّ قريشا كانت تخالف سائر العرب، فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدّمون الحجّ سنة ويؤخّرونه سنة وهو النّسي ء، فردّ إلى وقت واحد وردّ الوقوف إلى عرفة، فأخبر اللّه تعالى أنّه قد ارتفع الخلاف في الحجّ، واستدلّ على أنّ المنهيّ عنه هو الرّفث والفسوق دون الجدال، بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم:"من حجّ فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمّه"وأنّه لم يذكر الجدال. (1: 346)
نحوه البيضاويّ (1: 108) ، والنّسفيّ (1: 101) ، والشّربينيّ (1: 131) ، وأبو السّعود (1: 250) ، والآلوسيّ (2: 86) .