المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 227
ابن الأنباريّ: اختلف القرّاء فيها، فمنهم من قرأها كلّها بالفتح، ومنهم من قرأ (لا رفث ولا فسوق) بالرّفع، وقرأ (لا جدال) بالفتح.
فأمّا من قرأها كلّها بالفتح، جعل النّكرة مبنيّة مع (لا) كما قدّمنا في قوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ البقرة: 2، و (لا) مع النّكرة فيها كلّها في موضع مبتدإ، و (فى الحجّ) الخبر عنها كلّها.
ومن قرأ (لا رفث ولا فسوق) بالرّفع، (و لا جدال) بالفتح، لم يبن الفكرة مع فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ لمكان العطف، ورفعها بالابتداء، والخبر مقدّر، وتقديره: (فى الحجّ) . وبنى (لا جدال) على الفتح، لأنّه أراد أن يفرّق بين الرّفث والفسوق، وبين الجدال، لأنّ المراد بقوله:
فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ لا ترفثوا ولا تفسقوا، والمراد بقوله: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ أي لا شكّ في وقت الحجّ.
فعلى هذا يكون قوله: (فى الحجّ) خبرا عن قوله:
(لا جدال) فقط دون ما قبله لاختلافهما؛ إذ لا يجوز الجمع بين خبرين في خبر واحد. (1: 147)
الفخر الرّازيّ: ذكر المفسّرون وجوها في هذا الجدل. [ثمّ ذكر قول الحسن وابن كعب ومالك والقاسم ابن محمّد، ثمّ قال:]
وذلك أنّهم أمروا أن يجعلوا حساب الشّهور على رؤية الأهلّة، وآخرون كانوا يجعلونه على العدد، فبهذا السّبب كانوا يختلفون، فبعضهم يقول: هذا اليوم يوم العيد، وبعضهم يقول: بل غدا، فاللّه تعالى نهاهم عن ذلك، فكأنّه قيل لهم: قد بيّنّا لكم أنّ الأهلّة مواقيت للنّاس والحجّ، فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه من غير هذه الجهة. [ثمّ نقل قول القفّال وابن زيد وأضاف:]
السّابع: [بعد أن ذكر أقوالا ستّة في المراد فيها قال:] أنّهم كانوا مختلفين في السّنين، فقيل لهم: لا جدال في الحجّ، فإنّ الزّمان استدار وعاد إلى ما كان عليه الحجّ في وقت إبراهيم عليه السّلام، وهو المراد بقوله عليه الصّلاة والسّلام في حجّة الوداع:"ألا إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السّماوات والأرض"فهذا مجموع ما قاله المفسّرون في هذا الباب.
وذكر القاضي كلاما حسنا في هذا الموضع، فقال:
"قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِ يحتمل أن يكون خبرا، وأن يكون نهيا، كقوله:"
لا رَيْبَ فِيهِ البقرة: 2، أي لا ترتابوا فيه"."
وظاهر اللّفظ للخبر، فإذا حملناه على الخبر كان معناه أنّ الحجّ لا يثبت مع واحدة من هذه الخلال بل يفسد لأنّه كالضّدّ لها، وهي مانعة من صحّته. وعلى هذا الوجه لا يستقيم المعنى، إلّا أن يراد بالرّفث الجماع المفسد للحجّ، ويحمل الفسوق على الزّنا، لأنّه يفسد الحجّ، ويحمل الجدال على الشّكّ في الحجّ ووجوبه، لأنّ ذلك يكون كفرا فلا يصحّ معه الحجّ.
وإنّما حملنا هذه الألفاظ الثّلاثة على هذه المعاني حتّى يصحّ خبر اللّه، بأنّ هذه الأشياء لا توجد مع الحجّ.
فإن قيل: أليس أنّ مع هذه الأشياء يصير الحجّ فاسدا، ويجب على صاحبه المضيّ فيه، وإذا كان الحجّ باقيا معها لم يصدق الخبر، بأنّ هذه الأشياء لا توجد مع الحجّ.
قلنا: المراد من الآية حصول المضادّة بين هذه