المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 229
يرفع (رفث وفسوق) بالابتداء، و (لا) للنّفي، والخبر محذوف أيضا. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرّفع في الثّلاثة، ورويت عن عاصم في بعض الطّرق، وعليه يكون (فِي الْحَجِّ) خبر الثّلاثة، كما قلنا في قراءة النّصب؛ وإنّما لم يحسن أن يكون (فى الحجّ) خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة، لأنّ خبر (ليس) منصوب، وخبر (و لا جدال) مرفوع، لأنّ (و لا جدال) مقطوع من الأوّل، وهو في موضع رفع بالابتداء، ولا يعمل عاملان في اسم واحد. ويجوز"فلا رفث ولا فسوق"تعطفه على الموضع. [ثمّ استشهد بشعر]
ويجوز في الكلام"فلا رفث ولا فسوقا ولا جدالا في الحجّ"عطفا على اللّفظ على ما كان يجب في"لا". [ثمّ استشهد بشعر]
وقال أبو رجاء العطارديّ:"فلا رفث ولا فسوق"بالنّصب فيهما،"و لا جدال"بالرّفع والتّنوين. [ثمّ استشهد بشعر]
وقيل: إنّ معنى فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ النّهي، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا، ومعنى (و لا جدال) النّفي، فلمّا اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللّفظ.
قال القشيريّ: وفيه نظر؛ إذ قيل:"و لا جدال"نهي أيضا، أي لا تجادلوا، فلا فرق بينهما. (2: 408)
الفاضل المقداد: (فلا رفث) إلى آخره، قيل:
الرّفث: الفحش من الكلام، والفسوق: الخروج عن أحكام الشّرع، والجدال: المراء. والمنفيّات الثّلاث منهيّات في المعنى لما تقدّم من إقامة الخبر مقام النّهي، وإنّما أبرزها في صورة النّفي لينفي حقائقها من البين، وخصّها بالحجّ، وإن كانت واجبة الاجتناب في كلّ حال، إلّا أنّه في الحجّ أسمج، كلبس الحرير في الصّلاة والتّطريب بقراءة القرآن.
هذا وروى أصحابنا: أنّ الرّفث: الجماع، والفسوق:
الكذب، والجدال: الحلف بقول: لا واللّه وبلى واللّه.
وقيل: الرّفث: المواعدة للجماع باللّسان والغمز بالعين له، وقيل: الجماع ومقدّماته. والفسوق: التّنابز بالألقاب أو السّباب، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم:"سباب المؤمن فسوق". وأنّ الجدال هو المراء بإغضاب على وجه اللّجاج والمماحكة.
[ثمّ نقل كلام الزّمخشريّ وأضاف:]
واستدلّ على أنّ المنهيّ عنه هو الرّفث والفسوق دون الجدال، بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم:"من حجّ ولم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمّه"وأنّه لم يذكر الجدال.
وفيه نظر، لأنّه إذا حمل على الإخبار عن عدم الخلاف لزم الكذب، لأنّه كم من خلاف قد وقع بين الفقهاء وغيرهم في الحجّ، فإنّ نفي الماهيّة يستلزم نفي جميع جزئيّاتها.
والأولى أن يقال: إنّما نصب الثّالث، لأنّ الاهتمام بنفي الجدال أشدّ من الأوّلين، لأنّ الرّفث عبارة عن قضاء الشّهوة، والفسوق: مخالفة أمر اللّه، والجدال مشتمل عليهما. فإنّ المجادل يشتهي تمشية قوله ولا ينقاد للحقّ، مع أنّه يشتمل على أمر زائد، وهو الإقدام على الإيذاء المؤدّي إلى العداوة. وأمّا الحديث المذكور فلا ينافي ما ذكرناه، ولأنّه مركّب من المنفيّين. (1: 301)
[لاحظ: ر ف ث]