فهرس الكتاب

الصفحة 4829 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 282

أبو عبيدة: أي الصّوائد، ويقال: فلان جارحة أهله، أي كاسبهم، وفي آية أخرى (و من يجترح) أي يكتسب، ويقال: امرأة أرملة لا جارح لها، أي لا كاسب لها، وفي آية أخرى اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ الجاثية: 21، كسبوا (ما جرحتم) الأنعام: 60، أي ما كسبتم.

الطّبريّ: يعني بذلك جلّ ثناؤه: يسألك يا محمّد أصحابك ما الّذي أحلّ لهم أكله من المطاعم والمآكل؟

فقل لهم: أحلّ لكم منها الطّيّبات، وهي الحلال الّذي أذن لكم ربّكم في أكله من الذّبائح، وأحلّ لكم أيضا مع ذلك صيد ما علّمتم من الجوارح، وهنّ الكواسب من سباع البهائم والطّير.

سمّيت جوارح لجرحها لأربابها، وكسبها إيّاهم أقواتهم من الصّيد، يقال منه: جرح فلان لأهله خيرا، إذا أكسبهم خيرا، وفلان جارحة أهله، يعني بذلك كاسبهم، ولا جارحة لفلانة، إذا لم يكن لها كاسب. [ثمّ استشهد بشعر]

وترك من قوله: وَما عَلَّمْتُمْ: وصيد ما علّمتم من الجوارح، اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما ترك ذكره؛ وذلك أنّ القوم فيما بلغنا كانوا سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين أمرهم بقتل الكلاب عمّا يحلّ لهم اتّخاذه منها وصيده، فأنزل اللّه عزّ ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية، فاستثنى ممّا كان حرّم اتّخاذه منها وأمر بقنية كلاب الصّيد، وكلاب الماشية، وكلاب الحرث، وأذن لهم باتّخاذ ذلك. [إلى أن قال:]

ثمّ اختلف أهل التّأويل في (الجوارح) الّتي عنى اللّه بقوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ فقال بعضهم:

هو كلّ ما علّم الصّيد فتعلّمه، من بهيمة أو طائر.

وقال آخرون: إنّما عنى اللّه جلّ ثناؤه بقوله:

وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ الكلاب دون غيرها من السّباع. [إلى أن قال:]

وأولى القولين بتأويل الآية: قول من قال: كلّ ما صاد من الطّير والسّباع فمن الجوارح، وإنّ صيد جميع ذلك حلال، إذا صاد بعد التّعليم، لأنّ اللّه جلّ ثناؤه عمّ بقوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ كلّ جارحة ولم يخصّص منها شيئا، فكلّ جارحة كانت بالصّفة الّتي وصف اللّه من كلّ طائر وسبع، فحلال أكل صيدها.

وقد روي عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم، بنحو ما قلنا في ذلك خبر، مع ما في الآية من الدّلالة الّتي ذكرنا على صحّة ما قلنا في ذلك، وهو ما حدّثنا [و ذكر السّند إلى] عديّ بن حاتم، قال سألت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن صيد البازي، فقال:

ما أمسك عليك فكل، فأباح صلّى اللّه عليه وسلّم صيد البازي وجعله من الجوارح. ففي ذلك دلالة بيّنة على فساد قول من قال:

عنى اللّه بقوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ ما علّمنا من الكلاب خاصّة، دون غيرها من سائر الجوارح.

فإن ظنّ ظانّ أنّ في قوله: (مكلّبين) دلالة على أنّ (الجوارح) الّتي ذكرت في قوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ هي الكلاب خاصّة، فقد ظنّ غير الصّواب؛ وذلك أنّ معنى الآية: قل أحلّ لكم أيّها النّاس في حال مصيركم أصحاب كلاب: الطّيّبات وصيد ما علّمتموه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت