المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 285
الطّائر إنّما يعلّم الصّيد بالأكل، والفهد والكلب، وما أشبههما يعلّمون بترك الأكل، فهذا فرق ما بينهما.
الفخر الرّازيّ: فيه مسائل: المسألة الأولى [في إعراب الآية] .
المسألة الثّانية: في الجوارح قولان: أحدهما: إنّها الكواسب من الطّير والسّباع، واحدها: جارحة. سمّيت جوارح لأنّها كواسب، من جرح واجترح، إذا اكتسب، قال تعالى: الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أي اكتسبوا، وقال: وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أي ما كسبتم.
والثّاني: أنّ الجوارح هي الّتي تجرح، وقالوا: إنّ ما أخذ من الصّيد فلم يسل منه دم لم يحلّ.
المسألة الثّالثة: نقل عن ابن عمر والضّحّاك والسّدّيّ: أنّ ما صاده غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله، وتمسّكوا بقوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ) ، قالوا: لأنّ التّخصيص يدلّ على كون هذا الحكم مخصوصا به. رغم الجمهور: أنّ قوله: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ يدخل فيه كلّ ما يمكن الاصطياد به، كالفهد والسّباع من الطّير:
مثل الشّاهين والباشق والعقاب. قال اللّيث: سئل مجاهد عن الصّقر والبازي والعقاب والفهد وما يصطاد به من السّباع، فقال: هذه كلّها جوارح.
وأجابوا عن التّمسّك بقوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ) من وجوه:
الأوّل: أنّ المكلّب هو مؤدّب الجوارح ومعلّمها أن تصطاد لصاحبها، وإنّما اشتقّ هذا الاسم من"الكلب"لأنّ التّأديب أكثر ما يكون في الكلاب، فاشتّق منه هذا اللّفظ لكثرته في جنسه.
الثّاني: أنّ كلّ سبع فإنّه يسمّى كلبا، ومنه قوله عليه الصّلاة والسّلام:"اللّهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك، فأكله الأسد".
الثّالث: أنّه مأخوذ من الكلب الّذي هو بمعنى الضّراوة، يقال: فلان كلب بكذا، إذا كان حريصا عليه.
والرّابع: هب أنّ المذكور في هذه الآية إباحة الصّيد بالكلب، لكن تخصيصه بالذّكر لا ينفي حلّ غيره، بدليل أنّ الاصطياد بالرّمي ووضع الشّبكة جائز، وهو غير مذكور في الآية، واللّه أعلم.
المسألة الرّابعة: دلّت الآية على أنّ الاصطياد بالجوارح إنّما يحلّ إذا كانت الجوارح معلّمة، لأنّه تعالى قال: وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم لعديّ بن حاتم: إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم اللّه فكل. [ثمّ ذكر الأمور الّتي يكون فيها الكلب معلّما عنه الشّافعيّ والحسن البصريّ وأبي حنيفة وغيرهم وأضاف]
المسألة الخامسة: الكلّاب، والمكلّب هو الّذي يعلّم الكلاب الصّيد، فمكلّب صاحب التّكليب كمعلّم صاحب التّعليم، ومؤدّب صاحب التّأديب. قال صاحب"الكشّاف": وقرئ (مكلّبين) بالتّخفيف، وأفعل وفعّل يشتركان كثيرا. (11: 142)
القرطبيّ: أي وصيد ما علّمتم، ففي الكلام إضمار لا بدّ منه، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحلّ المسؤول عنه متناولا للمعلّم من الجوارح المكلّبين، وذلك ليس مذهبا لأحد. فإنّ الّذي يبيح لحم الكلب