المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 287
وكان ابن عمر يقول: إنّما يصطاد بالكلاب.
وقال هو وأبو جعفر: ما صيد بغيرها من باز وصقر ونحوهما، فلا يحلّ إلّا أن تدرك ذكاته فتذكّيه. وجوّز قوم البزاة، فجوّزوا صيدها لحديث عديّ بن حاتم وغلّب الجمهور ظاهر (و ما علّمتم) وقالوا: معنى (مكلّبين) مؤدّبين ومضرّين ومعوّدين، وعمّموا (الجوارح) في كواسر البهائم والطّير ممّا يقبل التّعليم.
وأقصى غاية التّعليم أن يشلى فيستشلي، ويدعى فيجيب، ويزجر بعد الظّفر فينزجر، ويمتنع من أن يأكل من الصّيد. وفائدة هذه الحال وإن كانت مؤكّدة لقوله:
(علّمتم) فكان يستغنى عنها أن يكون المعلّم مؤتمرا بالتّعليم حاذقا فيه موصوفا به.
واشتقّت هذه الحال من الكلب وإن كانت جاءت غاية في الجوارح على سبيل التّغليب، لأنّ التّأديب أكثر ما يكون في الكلاب فاشتقّت من لفظه، لكثرة ذلك في جنسه.
قال أبو سليمان الدّمشقيّ:"و إنّما قيل (مكلّبين) لأنّ الغالب من صيدهم أن يكون بالكلاب". واشتقّت من الكلب، وهي الضّراوة، يقال: هو كلب بكذا، إذا كان ضاريا به.
قال الزّمخشريّ:"أو لأنّ السّبع يسمّى كلبا"، ومنه قوله عليه السّلام:"اللّهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد". ولا يصحّ هذا الاشتقاق، لأنّ كون الأسد كلبا هو وصف فيه، والتّكليب من صفة المعلّم،"الجوارح"هي سباع بنفسها لا بجعل المعلّم.
وظاهر قوله: (و ما علّمتم) أنّه خطاب للمؤمنين، فلو كان المعلّم يهوديّا أو نصرانيّا فكره الصّيد به، الحسن، أو مجوسيّا فكره الصّيد به، جابر بن عبد اللّه والحسن وعطاء ومجاهد والنّخعيّ والثّوريّ وإسحاق.
وأجاز أكل صيد كلابهم مالك وأبو حنيفة والشّافعيّ إذا كان الصّائد مسلما. قالوا: وذلك مثل شفرته، والجمهور على جواز ما صاد الكتابيّ، وقال مالك: لا يجوز، فرّق بين صيده وذبيحته.
وما صاد المجوسيّ فالجمهور على منع أكله، عطاء وابن جبير والنّخعيّ ومالك وأبو حنيفة واللّيث والشّافعيّ، وقال أبو ثور: فيه قول إنّهم أهل كتاب، وأنّ صيدهم جائز.
(و ما علّمتم) موضع (ما) رفع على أنّه معطوف على (الطّيّبات) ويكون حذف مضاف، أي وصيد ما علّمتم، وقدّره بعضهم: واتّخاذ ما علّمتم، أو رفع على الابتداء و (ما) شرطيّة، والجواب (فكلوا) وهذا أجود، لأنّه لا إضمار فيه.
وقرأ ابن عبّاس وابن الحنفيّة (و ما علّمتم) مبنيّا للمفعول، أي من أمر الجوارح والصّيد بها، وقرأ (مكلبين) من"أكلب"وفعّل وأفعل قد يشتركان.
والظّاهر دخول الكلب الأسود البهيم في عموم (الجوارح) وأنّه يجوز أكل صيده، وبه قال الجمهور.
ومذهب أحمد وجماعة من أهل الظّاهر أنّه لا يجوز أكل صيده، لأنّه مأمور بقتله. وما أوجب الشّرع قتله فلا يجوز أكل صيده. وقال أحمد: لا أعلم أحدا رخّص فيه إذا كان بهيما، وبه قال ابن راهويه، وكره الصّيد به الحسن وقتادة والنّخعيّ. [ثمّ ذكر شروط التّعليم في