المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 292
من لطف، لأنّ سياق عدّة آيات قبلها وإن كان خطابا للكفّار، إلّا أنّ الآيتين قبلها وبعدها عامّ للنّاس قاطبة؛ فقبلها: وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ ...
الأنعام: 59. فركّز علمه تعالى، وبعدها: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً ... الأنعام: 61، فركّز قدرته تعالى، وكذلك بعدها: قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ...
الأنعام: 63، فركّز رحمته ونعمته ولطفه بالعباد، فسياق الآيات تركيز أوصاف اللّه وتوحيده، إنذارا وتخويفا وإرجاء وتبشيرا.
وإيثار (التّوفّي) على (النّوم) للدّلالة على أنّ النّوم بيد اللّه، فهو آية قدرته تعالى، أمّا إيثار (جرحتم) على (كسبتم) فلأنّ العمل يصدر عن الجوارح عادة حسنا كان أو سيّئا، فهذا تنبيه على أنّ الجوارح نعمة من اللّه في البدن، والنّاس عنها غافلون، ويستفيدون بها في غير ما أمر اللّه به، ولا دخل فيه لإدخال العامل في جنس جوارح الطّير.
نعم ما ذكره في إيثار (جرحتم) جار في اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ حيث يتداعى منه دخول المسي ء في جنس الجوارح، كأنّه صدر: عنه جرح، كما نبّهنا عليه. قال الطّوسيّ:"اجترح السّيّئة اجتراحا، أي اكتسبها من الجراح، لأنّ له تأثيرا كتأثير الجراح، ومثله الاقتراف، وهو مشتقّ من قرف القرحة".
رابعا في (3) : (الْجُرُوحَ قِصاصٌ) بحوث:
1 -في الآية ثلاث قراءات: نصب (العين) وما بعدها عطفا على لفظ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، ورفعها عطفا على موضعه، لأنّه في الأصل مبتدأ وخبر أو للاستئناف، ورفع جملة وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فقط استئنافا، لأنّ خبرها مغاير لخبر ما قبلها، وهو مبالغة، نظير: زيد عدل، والتّقدير: (الجروح ذات قصاص) كما قيل.
وهذا الوجه أجود عند الفرّاء لمجيئها بعد تمام خبر الأوّل، مثل:"إنّ عبد اللّه قائم وزيد قاعد"، لاحظ نصّ أبي زرعة.
2 -قيل: لفظ (الجروح) عامّ، والمراد به الخصوص، وهو ما يمكن فيه القصاص، ولا يخاف فيها على نقص زائد على الجرح؛ إذ يشترط في القصاص المماثلة للجرح، فإن خيف فلا قصاص فيها بل فيها الدّية، كما جاء في الفقه.
3 -وهذا تخصيص بعد تعميم، لأنّ ما قبلها بيان للقصاص في تلك الأعضاء أيضا، والقصاص فيها بمثلها، فهي منضبطة. أمّا سائر الجروح فليست كذلك، ولهذا فصلها عمّا قبلها، لاحظ"ق ص ص".
خامسا: في (4) وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ بحوث:
1 -الجوارح: جمع جارحة، وهي الحيوان الصّائد، إمّا من الجرح بمعنى الكسب، لأنّها تكسب صيدا لصاحبها، كما أنّ جوارح الإنسان تكسب له ما يحتاج إليه، أو بمعنى الجراحة، لأنّها تجرح ما تصيده غالبا، وهو الأقرب؛ وقد أرجعنا الكسب إليها.
2 -اختلفوا في (الجوارح) هل هي الكلاب خاصّة، لقوله: (مكلّبين) ، أو تعمّ غيرها كالباز والصّقر والسّباع إذا صادت بعد التّعليم، لعموم اللّفظ، ولأنّه المرويّ عن