فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 375
الزّمخشريّ: إن قلت: كيف خولف بين حرفي الجرّ الدّاخلين على الحقّ والضّلال؟ قلت: لأنّ صاحب الحقّ كأنّه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضّالّ كأنّه منغمس في ظلام مرتبك فيه، لا يدري أن يتوجّه. وفي قراءة أبيّ: وإنّا أو إيّاكم إمّا على هدى أو في ضلال مبين. وهذا أدخل في الإنصاف وأبلغ فيه من الأوّل؛ حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين- وإن أراد بالإجرام الصّغائر والزّلّات الّتي لا يخلو منها مؤمن، وبالعمل الكفر والمعاصي العظام- وفتح اللّه بينهم، وهو حكمه وفصله أنّه يدخل هؤلاء الجنّة وأولئك النّار. (3: 289)
الفخر الرّازيّ: أضاف الإجرام إلى النّفس، وقال في حقّهم: وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ. (25: 257)
أبو حيّان: هذا أدخل في الإنصاف وأبلغ من الأوّل [من الآية السّابقة] ، وأكثر تلطّفا واستدراجا؛ حيث سمّى فعله جرما كما يزعمون، مع أنّه مثاب مشكور، وسمّى فعلهم عملا مع أنّه مزجور عنه محظور.
وقد يراد ب (اجرمنا) نسبة ذلك إلى المؤمنين دون الرّسول، وذلك ما لا يكاد يخلو المؤمن منه من الصّغائر، والّذي تعملون هو الكفر وما دونه من المعاصي الكبائر.
قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السّيف. (7: 280)
البروسويّ: أي فعلنا واكتسبنا من الصّغائر والزّلّات الّتي لا يخلو منها مؤمن. (7: 292)
الآلوسيّ: هذا أبلغ في الإنصاف؛ حيث عبّر عن الهفوات- الّتي لا يخلو عنها مؤمن- بما يعبّر به عن العظائم وأسند إلى النّفس، وعن العظائم من الكفر ونحوه بما يعبّر به عن الهفوات وأسند للمخاطبين، وزيادة على ذلك أنّه ذكر الإجرام المنسوب إلى النّفس بصيغة الماضي الدّالّة على التّحقّق، وعن العمل المنسوب إلى الخصم بصيغة المضارع الّتي لا تدلّ على ذلك، وذكر أنّ في الآية تعريضا، وأنّه لا يضرّ بما ذكر.
وزعم بعضهم أنّها من باب المتاركة وأنّها منسوخة بآية السّيف. (22: 141)
الطّباطبائيّ: وفي التّعبير عن عمل أنفسهم بالإجرام وفي ناحية المشركين بقوله: تعملون:
ولم يقل: تجرمون، أخذ بحسن الأدب في المناظرة.
مكارم الشّيرازيّ: وتستمرّ الآية الّتي بعدها بالاستدلال بشكل آخر ولكن بنفس النّمط المنصف الّذي يستنزل الخصم من مركب العناد والغرور، يقول تعالى: قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ. والعجيب هنا أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور باستعمال تعبير"جرم"فيما يخصّه، وتعبير"أعمال"فيما يخصّ الطّرف الآخر، وبذا تتّضح حقيقة أنّ كلّ شخص مسؤول أن يعطي تفسيرا لأعماله وأفعاله، لأنّ نتائج أعمال أيّ إنسان تعود عليه، حسنها وقبيحها.
وفي الضّمن إشارة لطيفة إلى أنّنا إنّما نصرّ على توجيهكم لا لأنّ ذنوبكم تقيّد في حسابنا، ولا لأنّ شرّكم يضرّبنا، نحن نصرّ على ذلك بدافع الغيرة عليكم، وطلبا للحقّ.
الآية التّالية- في الحقيقة- توضيح لنتيجة الآيتين السّابقتين، فبعد أن نبّه إلى أنّ أحد الفريقين على الحقّ