فهرس الكتاب

الصفحة 5029 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 482

وهل هناك جريمة تستوجب كلّ هذا النّكال العظيم الدّائم الّذي له أوّل وليس له آخر، كما قال تعالى: لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها فاطر: 36.

الجواب: نعم، إنّ في النّاس مجرمين يستحقّون هذا النّوع من العذاب الأليم، وأكثر منه أيضا، ومن هؤلاء الّذين يحاربون الحقّ أو يكتمونه وهم يعلمون، سواء أكان هذا الحقّ للّه أم للنّاس. وأعظم منهم جرما تجّار الحروب الّذين أعدّوا لسفك الدّماء وتدمير الحياة الأسلحة الجهنّميّة، كالقنابل الذّرّيّة والهيدروجينيّة، والموادّ السّامّة الّتي تقتل المئات بل والملايين في دقائق معدودات. إنّ أيّة عقوبة يعاقب بها السّفّاحون فهي دون ما يستحقّون، وليست السّلاسل والأصفاد وسرابيل النّيران بشي ء، في جانب تدمير البلاد وتشريد العباد، وتشويههم وتقتيلهم بمئات الألوف. ثمّ هل الشّرر المتطاير من جهنّم أسوأ أثرا من القنبلة الذّرّيّة الّتي ألقيت على هيروشيما، مع العلم بأنّ نسبتها من حيث الأثر إلى ما يملكه السّفّاحون الآن من القنابل، كنسبة الواحد إلى الألف؟ وهل طعام الزّقّوم، وماء الصّديد أشدّ فتكا بالأجسام والأرواح من سلاح الجراثيم الّذي يستعمله الآن أعداء اللّه والإنسانيّة في فيتنام، ومن قبل في كوريا؟

وسبق عند تفسير الآية (27) من هذه السّورة: أنّ الإنسان إذا مسّته ذرّة من سلاح الجراثيم تقلّصت عضلاته، وبرزت عيناه، ومات في الحال. فهل بعد هذا يشكّ عاقل في أنّ الحلم بأصحاب هذا السّلاح ظلم، وأنّ الرّحمة بهم إثم، وإنّهم لو عوقبوا بأشدّ من عذاب جهنّم لكان عقابهم حقّا وعدلا؟ هل يستكثر أيّ نوع من أنواع العذاب على من لا يروي ظمأه إلّا دماء الألوف، ولا يشبع جوعه إلّا أقوات الملايين ومقدّراتهم؟

ولو لم يكن دليل على البعث والحساب إلّا وجود هذه المظالم لكفى؛ إذ لو كانت الدّنيا هي كلّ شي ء، وليس من وراءها عالم آخر تردّ فيه الحقوق إلى أصحابها ويجد كلّ ظالم الجزاء الّذي يستحقّه، لكان الموت خيرا من الحياة، والظّلم أفضل من العدل. (4: 460)

الطّباطبائيّ: معنى الآية واضح، وهي بظاهرها تدلّ على أنّ الّذي تجزى به كلّ نفس، هو عين ما كسبته من حسنة أو سيّئة، وإن تبدلّت صورته، فهي من الآيات الدّالّة على أنّ الّذي يلحق بهم يوم القيامة هو نتيجة أعمالهم.

فالآية تفسّر أوّلا: معنى الجزاء في يوم الجزاء، وثانيا: معنى انتقامه تعالى يومئذ، وأنّه ليس من قبيل عقوبة المجرم العاصي تشفّيا منه، بل إلحاق ما يستدعيه عمل المجرم به، وإن شئت فقل: إيصال ما اكتسبه المجرم بعينه إليه.

وفي تعليل هذا الجزاء، وهو في يوم القيامة بقوله:

إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ إيماء إلى أنّ الجزاء واقع من غير فصل ومهل، إلّا أنّ ظرف ظهوره هو ذلك اليوم لا غير، أو أنّ الحكم بالجزاء وكتابته واقع عند العمل وتحقّقه يوم القيامة، ومآل الوجهين واحد في الحقيقة.

عبد الكريم الخطيب: هو تعليل لهذا البلاء العظيم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت