فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 484
الآلوسيّ: [نقل كلام الزمخشريّ وقال:]
وبيانه فيما نحن فيه، أنّ قوله تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يدلّ بمنطوقه على ما قرّر على اختصاصهم بالجزاء التّكريميّ، وبمفهومه على أنّهم أهل الولاية والزّلفى، وقوله سبحانه: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ لتعليل الاختصاص، يدلّ بمنطوقه على أنّ عدم المحبّة يقتضي حرمانهم، وبمفهومه على أنّ الجزاء لأضدادهم موفّر، فهو جلّ وعلا محبّ للمؤمنين.
وذكر العلّامة الطّيّبيّ: الظّاهر أنّ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ الرّوم: 43، الآية بتمامها كالمورد للسّؤال والخطاب، لكلّ أحد من المكلّفين، ومَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ الرّوم: 44. الآية وارد على الاستئناف منطو على الجواب، فكأنّه لمّا قيل: أقيموا على الدّين القيّم قبل مجي ء يوم يتفرّقون فيه، فقيل: ما للمقيمين على الدّين وما على المنحرفين عنه، وكيف يتفرّقون؟ فأجيب:
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ الآية. وأمّا قوله: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية، فينبغي أن يكون تعليلا للكلّ، ليفصل ما يترتّب على ما لهم وعليهم. لكن يتعلّق ب (يمهدون) وحده، لشدّة العناية بشأن الإيمان والعمل الصّالح، وعدم الإعباء بعمل الكافر، ولذلك وضع موضعه إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ انتهى، فلا تغفل.
الطّباطبائيّ: اللّام للغاية، ولا ينافي عدّ ما يؤتيهم جزاء- وفيه معنى المقابلة- عدّه من فضله، وفيه معنى عدم الاستحقاق؛ وذلك لأنّهم بأعيانهم وما يصدر عنهم من أعمالهم ملك طلق للّه سبحانه، فلا يملكون لأنفسهم شيئا حتّى يستحقّوا به أجرا، وأين العبوديّة من الملك والاستحقاق، فما يؤتونه من الجزاء فضل من غير استحقاق.
لكنّه سبحانه بفضله ورحمته اعتبر لهم ملكا لأعمالهم في عين أنّه يملكهم ويملك أعمالهم، فجعل لهم بذلك حقّا يستحقّونه، وجعل ما ينالونه من الجنّة والزّلفى أجرا مقابلا لأعمالهم، وهذا الحقّ المجعول أيضا فضل آخر منه سبحانه.
ومنشأ ذلك حبّه تعالى لهم، لأنّهم لمّا أحبّوا ربّهم أقاموا وجوههم الدّين القيّم، واتّبعوا الرّسول فيما دعا إليه فأحبّهم اللّه، كما قال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ آل عمران: 31.
ولذا كانت الآية تعدّ ما يؤتيهم اللّه من الثّواب جزاء، وفيه معنى المقابلة والمبادلة، وتعدّ ذلك من فضله، نظرا إلى أنّ نفس هذه المقابلة والمبادلة فضل منه سبحانه، ومنشأه حبّه تعالى لهم، كما يؤمئ إليه تذييل الآية، بقوله: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ومن هنا يظهر أنّ قوله:
إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ يفيد التّعليل بالنّسبة إلى جانبي النّفي والإثبات جميعا، أي إنّه تعالى يخصّ المؤمنين العاملين للصّالحات بهذا الفضل، ويحرم الكافرين منه، لأنّه يحبّ هؤلاء ولا يحبّ هؤلاء. (16: 198)
عبد الكريم الخطيب: التّعليل هنا، هو لقوله:
وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ الرّوم: 44، أي إنّ الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات، قد توسّلوا بهذه الوسيلة إلى مرضاة اللّه، ليجزيهم الجزاء الحسن، من فضله وإحسانه.