فهرس الكتاب

الصفحة 5068 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 521

التّأويل الّذي ذكرناه عن أبيّ بن كعب وعائشة، وهو أنّ كلّ من عمل سوء، صغيرا أو كبيرا، من مؤمن أو كافر، جوزي به.

وإنّما قلنا ذلك أولى بتأويل الآية، لعموم الآية كلّ عامل سوء من غير أن يخصّ أو يستثنى منهم أحد، فهي على عمومها إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حجة بذلك من خبر عن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم.

فإن قال قائل: وأين ذلك من قول اللّه: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ النّساء: 31، وكيف يجوز أن يجازى على ما قد وعد تكفيره؟

قيل: إنّه لم يعد بقوله: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ ترك المجازاة عليها، وإنّما وعد التّكفير بترك الفضيحة منه لأهلها في معادهم، كما فضح أهل الشّرك والنّفاق. فأمّا إذا جازاهم في الدّنيا عليها بالمصائب، ليكفّرها عنهم بها، ليوافوه ولا ذنب لهم يستحقّون المجازاة عليه، فإنّما وفّى لهم بما وعدهم، بقوله: نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وأنجز لهم ما ضمن لهم بقوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ النّساء: 57. (5: 293)

الزّجّاج: أي لا ينفعه تمنّيه. (2: 112)

الطّوسيّ: [ذكر قول ابن زيد والضّحّاك وأضاف:]

وهو الّذي يليق بمذهبنا، لأنّا نقطع على أنّ الكفّار لا يغفر لهم على حال، والمسلمون يجوز أن يغفر لهم ما يستحقّونه من العقاب، فلا يمكننا القطع على أنّه لا بدّ أن يجازي بكلّ سوء. (3: 337)

الواحديّ: [ذكر قول الحسن وأضاف:]

وقال آخرون: هذا عامّ في كلّ من عمل سوء من مسلم وكافر، ولكنّ المؤمن يجزى به في الدّنيا.

الطّبرسيّ: [نحو الطّوسيّ ثمّ قال:]

ومن استدلّ بهذه الآية على المنع من جواز العفو عن المعاصي، فإنّا نقول له: إنّ من ذهب إلى أنّ العموم لا ينفرد في اللّغة بصيغة مختصّة به لا يسلّم أنّها تستغرق جميع من فعل السّوء، بل يجوز أن يكون المراد بها بعضهم، على ما ذكره أهل التّأويل كابن عبّاس وغيره.

على أنّهم قد اتّفقوا على أنّ الآية مخصوصة، فإنّ التّائب ومن كانت معصيته صغيرة لا يتناوله العموم، فإذا جاز لهم أن يخصّصوا العموم في الآية بالفريقين، جاز لنا أن نخصّها بمن يتفضّل اللّه عليه بالعفو. وهذا بيّن، والحمد للّه. (2: 115)

الفخر الرّازيّ: دلّت الآية على أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّرائع، لأنّ قوله: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يتناول جميع المحرّمات، فدخل فيه ما صدر عن الكفّار ممّا هو محرّم في دين الإسلام، ثمّ قوله: (يجز به) يدلّ على وصول جزاء كلّ ذلك إليهم.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون ذلك الجزاء عبارة عمّا يصل إليهم من الهموم والغموم في الدّنيا؟

قلنا: إنّه لا بدّ وأن يصل جزاء أعمالهم الحسنة إليهم في الدّنيا؛ إذ لا سبيل إلى إيصال ذلك الجزاء إليهم في الآخرة. وإذا كان كذلك فهذا يقتضي أن يكون تنعّمهم في الدّنيا أكثر ولذّاتهم هاهنا أكمل، ولذلك قال عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت