فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 542
تعالى لا يعفو عن صاحب الكبيرة من وجهين:
الأوّل: أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ العقاب، فوجب أن لا يكون مستحقّا للثّواب، لأنّ الثّواب هو النّفع الدّائم الخالص عن شوب الضّرر، والعقاب هو الضّرر الدّائم الخالص عن شوب النّفع، والجمع بينهما محال، وما كان ممتنع الوجود امتنع أن يحصل استحقاقه، فإذن متى ثبت استحقاق العقاب وجب أن يزول استحقاق الثّواب.
فنقول: لو عفا اللّه عن صاحب الكبيرة لكان: إمّا أن يخرجه من النّار ولا يدخله الجنّة، وذلك باطل بالإجماع، لأنّهم أجمعوا على أنّ المكلّفين يوم القيامة: إمّا أن يكونوا من أهل الجنّة أو من أهل النّار، لأنّه تعالى قال: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ الشّورى: 7، وإمّا أن يخرجه من النّار ويدخله الجنّة، وذلك باطل لأنّ الجنّة حقّ المتّقين، لقوله تعالى: كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا فجعل الجنّة لهم ومختصّة بهم، وبيّن أنّها إنّما كانت لهم لكونها جزاء لهم على أعمالهم، فكانت حقّا لهم، وإعطاء حقّ الإنسان لغيره لا يجوز. ولمّا بطلت الأقسام ثبت أنّ العفو غير جائز.
أجاب أصحابنا: لم لا يجوز أن يقال: المتّقون يرضون بإدخال اللّه أهل العفو في الجنّة؟ فحينئذ لا يمتنع دخولهم فيها.
الوجه الثّاني: قالوا: المتّقي في عرف الشّرع مختصّ بمن اتّقى الكفر والكبائر، وإن اختلفنا في أنّ صاحب الكبيرة هل يسمّى مؤمنا أم لا؟ لكنّا اتّفقنا على أنّه لا يسمّى متّقيا. ثمّ قال في وصف الجنّة: إنّها كانت لهم جزاء ومصيرا، وهذا للحصر، والمعنى أنّها مصير للمتّقين لا لغيرهم، وإذا كان كذلك وجب أن لا يدخلها صاحب الكبيرة.
قلنا: أقصى ما في الباب أنّ هذا العموم صريح في الوعيد فتخصّه بآيات الوعد.
المسألة الثّالثة: لقائل أن يقول: إنّ الجنّة ستصير للمتّقين جزاء ومصيرا، لكنّها بعد ما صارت كذلك، فلم قال اللّه تعالى: كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا؟ جوابه من وجهين:
الأوّل: أنّ ما وعد اللّه فهو في تحقّقه كأنّه قد كان.
والثّاني: أنّه كان مكتوبا في اللّوح، قبل أن يخلقهم اللّه تعالى بأزمنة متطاولة: أنّ الجنّة جزاؤهم ومصيرهم.
7 -وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى.
النّجم: 40، 41
الطّوسيّ: أي يجازى على أعماله الطّاعات بأوفى ما يستحقّه من الثّواب الدّائم، و"الهاء"في (يجزيه) عائدة على"السّعي". (9: 436)
الواحديّ: ثُمَّ يُجْزاهُ يجزى الإنسان سعيه، يقال: جزيت فلانا سعيه، يتعدّى إلى مفعولين.
الزّمخشريّ: [نحو الواحديّ وأضاف:]
ويجوز أن يكون الضّمير للجزاء، ثمّ فسّره بقوله:
الْجَزاءَ الْأَوْفى أو أبدله عنه، كقوله تعالى: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الأنبياء: 3. (4: 33)