فهرس الكتاب

الصفحة 5093 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 546

الفخر الرّازيّ: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وفي نصبه وجهان: أحدهما: أنّه مفعول له، وهو ظاهر تقديره: فعل بهم هذا ليقع جزاء وليجزون بأعمالهم، وعلى هذا فيه"لطيفة"وهي أن تقول: المعنى أنّ هذا كلّه جزاء عملكم، وأمّا الزّيادة فلا يدركها أحد منكم.

وثانيهما: أنّه مصدر، لأنّ الدّليل على أنّ كلّ ما يفعله اللّه فهو جزاء، فكأنّه قال: تجزون جزاء، وقوله: (بِما كانُوا) قد ذكرنا فائدته في سورة الطّور، وهي أنّه تعالى قال في حقّ المؤمنين: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وفي حقّ الكافرين: إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إشارة إلى أنّ العذاب عين جزاء ما فعلوا، فلا زيادة عليهم، والثّواب جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فلا يعطيهم اللّه عين عملهم، بل يعطيهم بسبب عملهم ما يعطيهم، والكافر يعطيه عين ما فعل، فيكون فيه معنى مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها* وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أصوليّة: ذكرها الإمام فخر الدّين رحمه اللّه في مواضع كثيرة، ونحن نذكر بعضها؛ فالأولى: قالت المعتزلة: هذا يدلّ على أن يقال:

الثّواب على اللّه واجب، لأنّ الجزاء لا يجوز المطالبة به.

وقد أجاب عنه الإمام فخر الدّين رحمه اللّه بأجوبة كثيرة، وأظنّ به أنّه لم يذكر ما أقوله فيه وهو ما ذكروه، ولو صحّ لما كان في الوعد بهذه الأشياء فائدة؛ وذلك لأنّ العقل إذا حكم بأنّ ترك الجزاء قبيح، وعلم بالعقل أنّ القبيح من اللّه لا يوجد، علم أنّ اللّه يعطي هذه الأشياء لأنّها أجزية، وإيصال الجزاء واجب. وأمّا إذا قلنا بمذهبنا فتكون الآيات مفيدة مبشّرة، لأنّ البشارة لا تكون إلّا بالخبر عن أمر غير معلوم.

لا يقال: الجزاء كان واجبا على اللّه، وأمّا الخبر بهذه الأشياء فلا يذكرها مبشّرا.

لأنّا نقول: إذا وجب نفس الجزاء فما أعطانا اللّه تعالى من النّعم في الدّنيا جزاء، فثواب الآخرة لا يكون إلّا تفضّلا منه، غاية ما في الباب أنّه تعالى كمّل النّعمة بقوله:"هذا جزاؤكم"أي جعلته لكم جزاء، ولم يكن متعيّنا ولا واجبا، كما أنّ الكريم إذا أعطى من جاء بشي ء يسير شيئا كثيرا، فيظنّ أنّه يودعه إيداعا أو يأمره بحمله إلى موضع، فيقول له:"هذا لك"فيفرح، ثمّ إنّه يقول:"هذا إنعام عظيم يوجب على خدمة كثيرة"فيقول له:"هذا جزاء ما أتيت به، ولا أطلب منك على هذا خدمة، فإن أتيت فلها ثواب جديد"فيكون هذا غاية الفضل.

وعند هذا نقول: هذا كلّه إذا كان الآتي غير العبد، وأمّا إذا فعل العبد ما أوجب عليه سيّده فلا يستحقّ عليه أجرا ولا سيّما إذا أتى بما أمر به على نوع اختلال، فما ظنّك بحالنا مع اللّه عزّ وجلّ؟ مع أنّ السّيّد لا يملك من عبده إلّا البنية، واللّه يملك منّا أنفسنا وأجسامنا.

ثمّ إنّك اذا تفكّرت في مذهب أهل السّنّة تجدهم قد حقّقوا معنى العبوديّة غاية التّحقيق، واعترفوا أنّهم عبيد لا يملكون شيئا، ولا يجب للعبد على السّيّد دين، والمعتزلة لم يحقّقوا العبوديّة، وجعلوا بينهم وبين اللّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت