فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 552
حتّى لا ينجرّ إلى أن تجذب هذه إلى جانب، وتلك إلى جانب، فيتشوّش أمر النّظام الإنسانيّ إلّا أن لا يرتضي واحد أو جماعة التّربية الإسلاميّة لنفسه أو لأنفسهم، فيكونون أحرارا فيما يرتضونه لأنفسهم من تربية دينهم الخاصّة، على شرط أن يكونوا على شي ء من دين التّوحيد، وهو اليهوديّة أو النّصرانيّة أو المجوسيّة، وأن لا يتظاهروا بالمزاحمة، وهذا غاية العدل والنّصفة من دين الحقّ الظّاهر على غيره.
وأمّا (الجزية) فهي عطيّة ماليّة مأخوذة منهم، مصروفة في حفظ ذمّتهم وحسن إدارتهم، ولا غنى عن مثلها لحكومة قائمة على ساقها، حقّة أو باطلة.
ومن هذا البيان يظهر أنّ المراد بهذه المحرّمات:
المحرّمات الإسلاميّة الّتي عزم اللّه أن لا تشيع في المجتمع الإسلاميّ العالميّ، كما أنّ المراد ب (دين الحقّ) هو الّذي يعزم أن يكون هو المتّبع في المجتمع.
ولازم ذلك أن يكون المراد بالمحرّمات: المحرّمات الّتي حرّمها اللّه ورسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم الصّادع بالدّعوة الإسلاميّة، وأن يكون الأوصاف الثّلاثة: الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ الآية، في معنى التّعليل تفيد حكمة الأمر بقتال أهل الكتاب.
وبذلك كلّه يظهر فساد ما أورد على هذا الوجه، أنّه لا يعقل أن يحرّم أهل الكتاب على أنفسهم ما حرّم اللّه ورسوله علينا إلّا إذا أسلموا، وإنّما الكلام في أهل الكتاب لا في المسلمين العاصين.
وجه الفساد أنّه ليس من الواجب أن يكون الغرض من قتالهم أن يحرّموا ما حرّم الإسلام وهم أهل الكتاب، بل أن لا يظهر في النّاس التّبرّز بالمحرّمات من غير مانع يمنع شيوعها، والاسترسال فيها، كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، وأكل المال بالباطل على سبيل العلن، بل يقاتلون ليدخلوا في الذّمّة، فلا يتظاهروا بالفساد ويحتبس الشّرّ فيما بينهم أنفسهم.
ولعلّه إلى ذلك الإشارة بقوله: وَهُمْ صاغِرُونَ.
[إلى أن قال:]
والاعتبار بما ذكر في صدر الآية من أوصافهم المقتضية لقتالهم، ثمّ إعطاؤهم الجزية لحفظ ذمّتهم، يفيد أن يكون المراد بصغارهم: خضوعهم للسّنّة الإسلاميّة، والحكومة الدّينيّة العادلة في المجتمع الإسلاميّ، فلا يكافؤوا المسلمين ولا يبارزوهم بشخصيّة مستقلّة حرّة، في بثّ ما تهواه أنفسهم، وإشاعة ما اختلقته هوساتهم، من العقائد والأعمال المفسدة للمجتمع الإنسانيّ، مع ما في إعطاء المال بأيديهم من الهوان.
فظاهر الآية: أنّ هذا هو المراد من"صغارهم"لا إهانتهم والسّخريّة بهم من جانب المسلمين، أو أولياء الحكومة الدّينيّة، فإنّ هذا ممّا لا يحتمله السّكينة والوقار الإسلاميّ وإن ذكر بعض المفسّرين.
واليد: الجارحة من الإنسان وتطلق على القدرة والنّعمة. فإن كان المراد به في قوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ هو المعنى الأوّل، فالمعنى حتّى يعطوا الجزية متجاوزة عن يدهم إلى يدكم. وإن كان المراد هو المعنى الثّاني، فالمعنى حتّى يعطوا الجزية عن قدرة وسلطة لكم عليهم (و هم صاغرون) غير مستعلين عليكم ولا مستكبرين.