فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 553
فمعنى الآية- واللّه أعلم- قاتلوا أهل الكتاب، لأنّهم لا يؤمنون باللّه واليوم الآخر إيمانا مقبولا غير منحرف عن الصّواب، ولا يحرّمون ما حرّمه الإسلام ممّا يفسد اقترافه المجتمع الإنسانيّ، ولا يدينون دينا منطبقا على الخلقة الإلهيّة، قاتلوهم ودوموا على قتالهم، حتّى يصغروا عندكم ويخضعوا لحكومتكم، ويعطوا في ذلك عطيّة ماليّة، مضروبة عليهم يمثّل صغارهم، ويصرف في حفظ ذمّتهم، وحقن دمائهم، وحاجة إدارة أمورهم.
مكارم الشّيرازيّ: و (الجزية) مأخوذة من مادّة الجزاء، ومعناها المال المأخوذة من غير المسلمين الّذين يعيشون في ظلّ الحكومة الإسلاميّة، وهذه التّسمية لأنّها جزاء حفظ مال غير المسلمين وأرواحهم. هذا ما يستفاد من كلام الرّاغب في"مفرداته"فلا بأس بمراجعتها.
والصّاغر مأخوذ من"الصّغر"على زنة"الكبر"وخلاف معناه، ومعناه الرّاضي بالذّلّة. والمراد من الآية:
أنّ الجزية ينبغي أن تدفع في حال من الخضوع للإسلام والقرآن.
وبتعبير آخر: هي علامة للحياة السّلميّة، وقبول كون الدّافع للجزية من الأقلّيّة المحفوظة والمحترمة بين الأكثريّة الحاكمة.
وما ذهب إليه بعض المفسّرين من أنّ المراد من (الجزية) في الآية هو تحقير أهل الكتاب وإهانتهم والسّخر منهم، فلا يستفاد ذلك من المفهوم اللّغويّ لكلمة الآية، ولا ينسجم وروح تعاليم الإسلام السّمحة، ولا ينطبق مع سائر التّعاليم أو الدّستور الّذي وصلنا في شأن معاملة الأقلّيّات.
وما ينبغي التّنويه به هنا هو أنّ الآية وإن ذكرت شرط الجزية من بين شروط الذّمّة فحسب، إلّا أنّ التّعبير ب وَهُمْ صاغِرُونَ إشارة إجماليّة إلى سائر شروط الذّمّة، لأنّه يستفاد من هذه الجملة بأنّهم- مثلا- يعيشون في محيط إسلاميّ، فليس لهم أن يظاهروا أعداء الإسلام، ولا يكون لهم إعلام مضادّ للإسلام، ولا يقفوا حجر عثرة في رقيّه وتقدّمه، وما إلى ذلك، لأنّ هذه الأمور تتنافى وروح الخضوع والتّسليم للإسلام، والتّعاون مع المسلمين.
ما هي الجزية؟
تعدّ الجزية ضريبة ماليّة"إسلاميّة"وهي تتعلّق بالأفراد لا بالأموال ولا بالأراضي، أو بتعبير آخر: هي ضريبة ماليّة سنويّة على الرّؤوس.
ويعتقد بعضهم أنّها ليست من أصل عربيّ، وإنّما هي فارسيّة قديمة، وأصلها"كزيت"ومعناها الأموال الّتي تؤخذ للدّعم العسكريّ، أو ما يصطلح عليه في عصرنا ب"المجهود الحربيّ".
لكن الكثير يعتقدون أنّ هذه الكلمة"الجزية"عربيّة خالصة. وكما ذكرنا آنفا فهي مأخوذة من"الجزاء"لأنّ الماليّة المذكورة أو الضّريبة الّتي تدفع، إنّما هي جزاء الأمن الّذي توفّره الحكومة الإسلاميّة للأقلّيّات المذهبيّة.
والجزية كانت قبل الإسلام، ويعتقد بعضهم أنّ أوّل من أخذ الجزية هو كسرى أنوشروان الملك السّاسانيّ،