فهرس الكتاب

الصفحة 5101 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 554

لكنّنا لا نقطع بذلك. بل المقطوع به أنّ أنوشروان كان يأخذ من أبناء وطنه الجزية، وكان يأخذ ممّن لم يكن موظّفا في الدّولة وعمره أكثر من عشرين عاما وأقلّ من خمسين عاما، مبلغا سنويّا يتراوح بين 12 و18 و6 و4 دراهم، على أنّه ضريبة سنويّة على كلّ فرد.

وقد كتبوا أنّ فلسفة هذه الضّرائب أو حكمتها هي الدّفاع عن موجوديّة الوطن واستقلاله وأمنه، وهي وظيفة عامّة على جميع النّاس، فبناء على ذلك متى ما قام جماعة فعلا بالمحافظة على الوطن ولم يستطع الآخرون أن يجنّدوا أنفسهم للدّفاع عن الوطن- لأنّهم يكتسبون ويتّجرون مثلا- فإنّ على الجماعة الثّانية أن تقوم بمصارف المقاتلين، فتدفع ضرائب سنويّة للدّولة.

وما لدينا من القرائن يؤيّد فلسفة الجزية، سواء قبل الإسلام أو بعده.

فمسألة السّنّ في من يعطي الجزية في عصر أنوشروان الّذي ذكرناه آنفا"و هي أنّ الجزية تقع على من عمره عشرون عاما إلى خمسين عاما"دليل واضح على هذا المطلب، لأنّ أصحاب هذه المرحلة من العمر كانوا قادرين على حمل السّلاح، والمساهمة في الحفاظ على أمن البلاد، إلّا أنّهم كانوا يدفعون الجزية لأعمالهم وكسبهم.

والشّاهد الآخر على ذلك: أنّه لا تجب الجزية"في الإسلام"على المسلمين، لأنّ الجهاد واجب عليهم جميعا، وعند الضّرورة يجب على الجميع أن يتّجهوا نحو ساحات القتال ليقفوا بوجه العدوّ، إلّا أنّه لمّا كانت الأقلّيّات المذهبيّة غير مفروض عليها الجهاد، فعليها أن تدفع المال مكان الجهاد، ليكون لهم نصيب في الدّفاع عن الوطن الّذي يتمتّعون بالحياة فيه، وحفظه.

ثمّ إنّ سقوط الجزية عن الأطفال والشّيوخ والمقعدين والنّساء والعمي، دليل آخر على هذا الموضوع.

ممّا ذكرناه يتّضح أنّ الجزية إعانة ماليّة فحسب، يقدّمها أهل الكتاب إزاء ما يتحمّله المسلمون من مسؤوليّة في الحفاظ عليهم وعلى أموالهم.

فبناء على ذلك فإنّ من يزعم أنّ الجزية نوع من أنواع حقّ التّسخير، لم يلتفت إلى روحها وحكمتها وفلسفتها، فهو لم يلتفت إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ أهل الكتاب متى دخلوا في أهل الذّمّة، فإنّ الحكومة الإسلاميّة يجب عليها أن ترعاهم وتحافظ عليهم، وتمنعهم من كلّ أذى أو سوء.

ومع ملاحظة أنّ أهل الذّمّة عند دفعهم الجزية، بالإضافة إلى أنّها تمنحهم حقّ التّمتّع بالحياة مع المسلمين في أمن وصون، فليس عليهم أيّ تعهّد من المساهمة في القتال مع المسلمين وفي جميع الأمور الدّفاعيّة، ويتّضح أنّ مسؤوليّتهم إزاء الحكومة الإسلاميّة أقلّ من المسلمين بمراتب.

أي إنّهم يتمتّعون بجميع المزايا في الحكومة الإسلاميّة، بدفعهم مبلغا ضئيلا، ويكونون سواء هم والمسلمون، في حين أنّهم- في غير هذه الصّورة- لا قدرة لهم بوجه الحوادث والأمور الأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت