فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 555
ومن الأدلّة الّتي تؤيّد فلسفة هذا الموضوع، أنّه في المعاهدات الّتي كانت- في صدر الإسلام أو الحكومة الإسلاميّة- بين المسلمين وأهل الكتاب في شأن الجزية، في تلك المعاهدات تصريح بأنّ على أهل الكتاب أن يدفعوا الجزية، وفي قبال ذلك على المسلمين أن يمنعوهم- أي يحفظوهم- وأن يدافعوا عنهم إذا داهمهم العدوّ الخارجيّ.
وهذه المعاهدات كثيرة، ونورد مثلا منها، وهي المعاهدة الّتي تمّت بين خالد بن الوليد مع المسيحيّين الّذين كانوا يقطنون حول"الفرات".
نصّ كتاب المعاهدة:
هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه، إنيّ عاهدتكم على الجزية والمنعة، فلك الذّمّة والمنعة، وما منعناكم فلنا الجزية وإلّا فلا، كتب سنة اثنتي عشرة في صفر.
والّذي يسترعي النّظر هو أنّنا نقرأ في هذه المعاهدة وأمثالها أنّه متى ما قصّر المسلمون في الحفاظ على أهل الذّمّة أو لم يمنعوهم، فالجزية تعاد إليهم أو لا تؤخذ منهم عندئذ أصلا.
وينبغي الالتفات إلى هذه المسألة، وهي أنّ الجزية ليس لها مقدار معيّن، وميزانها بحسب استطاعة الّذين يدفعونها، غير أنّه ممّا يستفاد من التّواريخ أنّها- أي الجزية- مبلغ ضئيل، وهذا المبلغ لا يتجاوز الدّينار.
في السّنة، وربّما قيّد في المعاهدة أنّ على دافعي الجزية أن يدفعوا بمقدار استطاعتهم جزية.
ومن جميع ما تقدّم ذكره يتّضح أنّ جميع ما أثير من شبهات أو إشكالات في هذا الصّدد، باطل لا اعتبار له، ويثبت أنّ هذا الحكم الإسلاميّ حكم عادل ومنصف.
الوجوه والنّظائر
الحيريّ:"الجزاء"على وجهين:
أحدهما: القضاء، كقوله: وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ* الآية، في موضعين البقرة: 48، 123.
والثّاني: الثّواب، كقوله: جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ* السّجدة: 17، والأحقاف: 14، والواقعة:
24، وقوله: جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ فصّلت: 28، وقوله: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ القمر: 14، أي جزاء لنوح بما كفروا به. (172)
الفيروزاباديّ:"الجزاء"وهو الغناء والكفاية والمكافأة بالشّي ء، وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ.
وقد ورد في القرآن على ستّة أوجه:
الأوّل: بمعنى المكافأة والمقابلة وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى الّيل: 19، أي تقابل.
الثّاني: بمعنى الأداء والقضاء وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا البقرة: 48، أي لا تقضي