المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 573
ولا كثيرا.
وأمّا الآية الثّانية ففيها بحوث أيضا:
1 -قرئت (نجازى) بالنّون معلوما، بنصب (الكفور) ، وبالياء مجهولا برفع (الكفور) . وقال الطّبريّ:"إنّهما قراءتان مشهورتان"لكنّ القراءة الأولى: (نجازى) أوفق ب (جزيناهم) .
2 -جاء في عقاب قوم سبأ: ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ فكلّ من (جزيناهم) و (نجازى) فيها جاء في العقاب دون الثّواب، والجزاء في اللّغة وفي القرآن مشترك بين الثّواب والعقاب والنّعمة والنّقمة والخير والشّرّ.
أمّا المجازاة فقد قيل: إنّها خاصّ بالعقاب والنّقمة والشّرّ، يقال: جازاه على معصيته، وجزاه على طاعته.
وقيل في وجهه: إنّ المجازاة هي المكافأة وهي خاصّة بأهل الكبائر والكفر.
قال الفخر الرّازيّ:"لعلّ من قال ذلك أخذه من أنّ المجازاة من"المفاعلة"وهي في أكثر الأمر تكون بين اثنين يؤخذ من كلّ واحد جزاء في حقّ الآخر، وفي النّعمة لا تكون مجازاة، لأنّ اللّه مبتدئ بالنّعم".
وقال أبو مسلم:"المجازاة من التّجازي وهو التّقاضي، أي لا يقتضي ولا يرتجع ما أعطي إلّا الكافر، وأنّهم لمّا كفروا النّعمة اقتضوا ما أعطوا، أي ارتجع منهم"وليس قولهما بمقنع شيئا.
وقد حكى الآلوسيّ عن أبي إسحاق:"تقول:"
جزيت الرّجل في الخير وجازيته في الشّرّ"ثمّ حكى عن بعض الأجلّة:"ينبغي أنّ أبا إسحاق أراد بذلك إذا أرسلت الفعلين ولم تذكر المفعول الثّاني لهما، أمّا إذا ذكرته فيستعمل كلّ منهما في الخير والشّرّ". وأشكل عليه بأنّ (جزيناهم) مستعمل في الشّرّ مع عدم ذكر المفعول الثّاني. وكيف كان فإنّه لا يحلّ المشكلة."
وعندنا أنّ المجازاة من"المفاعلة"وهي بين اثنين، واختصّ المجازاة بالشّرّ، لأنّ جزاء الشّرّ يكرهه المجاز ولا يقبله، فكأنّه يعارض المجيز ويقاومه وفيه إشعار بشدّة العذاب.
أمّا الخير فيستقبله ولا يقاومه، فكأنّه ليس بين اثنين متعارضين أو متعاملين نظير"ضارب زيد عمرا"أي ضرب كلّ منهما الآخر، بل الجزاء من اللّه على العبد، وهذا وجه لطيف لم يذكروه، ولعلّ الفخر الرّازيّ عناه، فلاحظ نصّه.
وبذلك يرتفع ما قيل: بم خصّ الجزاء بالكفور مع أنّه عامّ للمؤمن والكافر؟ فإنّ المراد به جزاء الشّرّ الّذي يكرهه المجاز ويقاومه، وهو خاصّ بالكفور، سواء أريد به كفر العقيدة أو كفران النّعمة الّذي يساعده السّياق، كما سبق. لاحظ:"ك ف ر".
3 -جاءت"المجازاة"في سياق الاستفهام الإنكاريّ أو التّقريريّ تأكيدا وتشديدا عليها، كأنّها أمر مسلّم لا ينبغي إنكاره، وفيه إشعار بعدل اللّه تعالى.
4 -كلّ من (جزيناهم) و (نجازى) جاء في الشّرّ والعقاب، لكنّهما مختلفان مجرّدا ومزيدا، وماضيا ومضارعا!
والجواب عن اختلافهما ماضيا ومضارعا: أنّ الأوّل حكاية ما وقع في الماضي، والثّاني بيان سنّة اللّه اللّائقة