المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 575
وقد ألّفت فيها كتب خاصّة، وهي خراج على الرّقاب والرّؤوس، دون الرّقبات والأراضي فإنّها تسمّى (خراجا) لا (جزية) .
4 -اختلفوا في أنّها لفظ عربيّ أو فارسيّ، لكنّهم اتّفقوا على أنّ لها سابقة قبل الإسلام، فلاحظ النّصوص والأصول اللّغويّة.
5 -واختلفوا في حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ في موضعين: (عن يد) و (صاغرون) .
أمّا (عن يد) فقيل:"عن أنفسهم بأيديهم يمشون بها"أو"عن إنعام عليهم بذلك، لأنّ قبول الجزية منهم وترك أنفسهم نعمة عليهم ويد من المعروف جزيلة"، أو"ليفارق حال الغصب على إقرار أحد"أو"نقدا من يده إلى يد من يدفعه إليه من غير نائب، كما يقال: كلّمته فما بفم، ولذلك منع عن التّوكيل فيه"أو"يعطوا منقادين عن يد مواتية"أو"عن غنى، ولذلك قيل: لا تؤخذ من الفقير".
فالأمر في (عن يد) دائر بين متضادّين: الإهانة بهم أو إكرامهم، وسنعرف أنّ سياق الآية يناسب أيّ الأمرين.
وأمّا (صاغرين) فقيل:"و هم كارهون"أو"توجأ عنقه"أو"تأخذها وأنت جالس وهو قائم"أو"غير مستعلين عليكم، ولا قاهرين"أو"خاضعين للسّنّة الإسلاميّة بعدم تظاهرهم بما حرّمه اللّه".
6 -سياق الآية وخصوصا ذيلها عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ يعطي أنّ الجزية إنّما يأخذه المسلمون من أهل الكتاب، من موضع قدرتهم وسلطانهم عليهم وعلى الدّفاع عنهم، وهم في ذمّة الإسلام، ولا يفهم منها الإهانة بهم بل السّلطة عليهم. والتّاريخ الإسلاميّ يشهد بذلك، فلاحظ النّصوص ولا سيّما نصّ الطّباطبائيّ ومكارم، كي تقنع بذلك، فإنّ السّكينة والوقار الإسلاميّ- كما قال الطّباطبائيّ- لا يحتمل الإهانة بهم، كيف والمسلمون عاقدوهم على الاحتفاظ بهم وبدينهم!
7 -هناك خلاف بين نظريّتين من المفسّرين القدامى والمعاصرين، فالمعاصرون أصروا على أنّ موقف الإسلام من أهل الذّمّة عار عن أيّ ظلم وإهانة بل فيها من العطوفة وصيانة الحقوق فوق ما ينشده أصحاب حقوق الأمم والبشر.
أمّا القدامى فأشكلوا بأنّ"الجزية"لا تعادل الكفر، فإنّه يستدعي جزاء أشدّ كالقتل والأسر والاستعباد.
قال القاضي عبد الجبّار:"كيف يصحّ فيمن يكفر باللّه تعالى أن يسوغ له الكفر ببذل الجزية؟"وأجاب بأنّ قتلهم لكفرهم شرعيّ لا عقليّ، فيجوز أن تكون المصلحة فيه ما لم يعطوا الجزية، فإذا أعطوها حرم قتلهم.
وربّما يكون فيه هدايتهم للإسلام.
وأجاب عمّن وجّهه بأنّه لو لم يجز ترك القتل بالجزية لأدّى إلى الإكراه، وقد قال تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ البقرة: 256، بأنّ في الكفّار من لا يرضى منه إلّا القتل فيجب أن يكون مكرها؟!
والحقّ أنّ اللّه فرّق ب"الجزية"بين أهل الكتاب والمشركين لئلّا يكونوا سواء، وبذلك نجح الإسلام في تسليم أهل الذّمّة للمسلمين والتّعايش معهم.