فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 592
من الملك وما في قلبه من الآمال، ألقي على كرسيّه من شدّة المرض كجسد بلا روح. وتوضيحه منّا: إذا مررنا في سورة (ص) على قصص داود وسليمان نرى أنّ اللّه أمر النّبيّ بالصّبر على ما كان المشركون يقولونه في حقّه، فذكّره بقصّة داود عليه السّلام ليقتدي به ويستغفر عمّا ضاق به صدره ممّا يقوله الكافرون، كأنّه ذنب صدر عنه، فقال في الآية (17) منها: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ فحكى جملة ممّا آتاه اللّه من تسخير الجبال والطّير والملك وفصل الخطاب، إلى أن دخل عليه خصمان بغى بعضهما على بعض، فحكم بينهما بالحقّ إلى أن قال: وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ* فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ ... ص: 24، 25، فالتّفتين هذا- كما جاء في التّفاسير- ما صدر عن داود ممّا أشبه ما تخاصما إليه، وبعد عدّة آيات، رجع إلى قصّة سليمان في (30) بنفس السّياق، فقال: وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ثمّ حكى قصّة ما عرض عليه من الخيل واشتغاله بها وحبّه ومسحه إيّاها بالسّوق والأعناق حتّى غروب الشّمس- وكان ذلك فتنة له- فاستغفر منها كما قال: وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ* قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا ... ص: 34، 35، فيبدو أنّ اللّه فتنه بما أحبّ من الخيل واشتغل بها، فأصابه المرض وألقي على كرسيّه من شدّة المرض كجسد بلا روح، ثمّ استغفر اللّه، فغفر له وزاد في ملكه بتسخير الرّيح والشّياطين له، كما جاء في الآيات بعدها.
يخطر بالبال أنّ اللّه أبان لنا في قصصهما- وقد جمع لهما النّبوّة والملك- خطورة الملك حتّى لو كان الملك نبيّا من الأنبياء.
بقي الكلام في سرّ حذف ضمير المفعول الرّاجع إلى سليمان- بناء على هذا الوجه- حيث قال: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا دون (و ألقيناه) وقد أشكل هذا على الطّباطبائيّ، فضعّف به هذا القول.
وعندنا أنّه تكريم لسليمان؛ حيث أبهم الكلام إبهاما فلم يصرّح به، واكتفى بما في (كرسيّه) و (أناب) من الضّمير الرّاجع إليه، فإنّ في وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا تجسيم له بصورة قبيحة، فذكره مبهما.
رابعا: في (4) بحوث:
1 -إنّها جواب عن قول المشركين في صدر الآيات، من هذه السّورة وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ الأنبياء: 3، وليس فيها ذكر عن أكل الطّعام، لكنّه جاء في غيرها مثل: ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ الفرقان: 7، وليس فيها ولا في غيرها من الآيات ذكر عن الخلود، ولكنّه في زعمهم كان لازما لمن لا يأكل الطّعام. وقد فصّلنا القول في أمثال هذه الآية في (بشر) المعجم 5: 620، فلاحظ.
2 -قالوا في: وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ تبعا للمبرّد:"أنّ العرب إذا جاءت بين الكلامين بجحدين كان الكلام إخبارا، فمعنى الآية إنّما جعلناهم جسدا ليأكلوا الطّعام، أي يرجع الكلام عن النّفي إلى الإثبات، لأنّ نفي النّفي إثبات، مثل"ما سمعت منك، ولا أقبل منك"أي إنّما سمعت منك لأقبل منك، ويوافقه قول قتادة في تفسير الآية:"ما جعلناهم جسدا