المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 601
لتعرّف حال الشّي ء. فإذا قيل: تلمّس، يحدث معنى التّكلّف والطّلب مرّة بعد أخرى. وقد جاء بمعنى"الطّلب"في قوله: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ الجنّ: 8.
وقرئ بالحاء من الحسّ الّذي هو أثر الجسّ وغايته، ولتقاربهما يقال للمشاعر: الحواسّ، بالحاء والجيم.
وفي"الإحياء": التّجسّس بالجيم في تطلّع الأخبار، وبالحاء المهملة في المراقبة بالعين، وفي"إنسان العيون":
التّحسّس للأخبار بالحاء المهملة أن يفحص الشّخص عن الأخبار بنفسه، وبالجيم أن يفحص عنها بغيره.
وجاء تحسّسوا ولا تجسّسوا انتهى. [إلى أن قال:] في الحديث:"لا تتبّعوا عورات المسلمين، فإنّ من تتبّع عورات المسلمين تتبّع اللّه عورته، حتّى يفضحه، ولو في جوف بيته. [ثمّ استشهد بشعر وذكر بعض الأحاديث] (9: 86) "
القاسميّ: ولمّا كان من ثمرات سوء الظّنّ التّجسّس، فإنّ القلب لا يقنع بالظّنّ، ويطلب التّحقيق فيشتغل بالتّجسّس، ذكر سبحانه النّهي عنه، إثر سوء الظّنّ لذلك، فقال تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا. [ثمّ ذكر روايات] (15: 5463)
مغنيّة: وَلا تَجَسَّسُوا التّجسّس: تتبّع العورات والعثرات، والبحث عنها في الخفاء. وهو محرّم كتابا وسنّة وإجماعا وعقلا، فمن الكتاب قوله تعالى:
وَلا تَجَسَّسُوا، وقوله: لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ - إلى- حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ النّور: 28.
ومن السّنّة قول الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه وسلّم:"من اطّلع عليك فحذفته بحصاة ففقأت عينيه فلا جناح عليك".
وقد أجمع الفقهاء قولا واحدا على العمل بهذا الحديث.
أمّا العقل فإنّه يعتبر التّجسّس غزوا لحياة النّاس، واعتداء على حرّيّاتهم وأشيائهم الخاصّة بهم، من معلومات وعادات.
تذكّرت، وأنا أكتب هذه الكلمات مقالا مطوّلا في هذا الموضوع، نشرته جريدة الأهرام، عدد 27 - 6 - 1969، قرأته آنذاك، واحتفظت به في ملفّ قصاصات الصّحف الّتي أحتفظ بها وأدّخرها إلى وقت الحاجة، فرجعت إلى المقال، وقرأته من جديد، فإذا بي أقرأ ما لا يبلغه الخيال، وفيما يلي بعض ما جاء فيه:
"لقد تساقطت الجدران في الولايات المتّحدة حتّى أصبح الأمر يكيّون بفضل الغزو الالكتروني المنظّم يشعرون بأنّ الجدران ليست لها آذان وحسب، بل عيون وعدسات أيضا، كما تقول"مجلّة التّايم". لقد اخترعوا في الولايات المتّحدة جهازا بحجم الملّيم الصّغير، يسترق ويسجّل السّمع، ويمكن وضعه في"الجاكت"كالزّر، وهو في متناول كلّ فرد، ويتراوح ثمنه بين 10 و15 دولارا. وفي نيويورك تجّار يعلنون في الصّحف عن أجهزة تسترق السّمع من بيوت النّاس ومنازلهم، وتعرض في الأسواق كلعب الأطفال، ولا يزيد ثمنها على 18 دولارا، وإذا وضع واحد من هذه الأجهزة في سيّارة، تقبع في اتّجاه العمارة- سجّل كلّ كلمة تقال في داخل العمارة. بل هناك جهاز لاستراق السّمع لا يزيد حجمه على حبّة العدس الصّغيرة يمكن أن يوضع في القلم وما أشبه، وتعمل بطّاريته بين 18 و50 ساعة"