المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 666
ومن تحت، يقال:"لبّ الخبز ما بين جفنيه"تشبيها بجفني العين.
والجفنة: القصعة الكبيرة، وهي أعظم القصاع، لأنّها تحوي ما يطبخ فيها، والجمع: جفان وجفن، يقال:
جفن الجزور، أي نحرها وطبخها واتّخذ منها طعاما، وجعل لحمها في الجفان، ودعا عليها النّاس حتّى أكلوها.
وهي أيضا الرّجل الكريم، لأنّه يضعها ويطعم النّاس فيها، فسمّي باسمها.
والجفن: ظلف النّفس عن الشّي ء الدّني ء، أي منعها عنه كما يمنع جفن العين ما يضرّها، يقال: جفن الرّجل نفسه عن كذا جفنا، أي ظلفها ومنعها.
والتّجفين: كثرة الجماع: قال أعرابيّ: أضواني دوام التّجفين، وأجفن فلان: أكثر الجماع، سمّي بذلك لأنّ الغطاء يحويه.
2 -وقال الخليل:"الجفن: ضرب من العنب، ويقال: هو نفس الكرم بلغة اليمن".
وتكلّم بعض في سبب تسميته بذلك، فقال ابن فارس:"لأنّه يدور على ما يعلق به"، وقال الرّاغب:
"تصوّرا أنّه وعاء العنب".
وينبئ قول الخليل:"الكرم بلغة اليمن"بأنّه لغة غير مشهورة، فليس من الصّواب أن يقحم في هذه المادّة؛ لأنّها تشذّ عن الأصل، كما يستشفّ من تعليلي ابن فارس والرّاغب.
والجفن بهذا المعنى أعرف في سائر اللّغات السّاميّة، كالعبريّة والآراميّة والسّريانيّة والآثوريّة، وينسب اللّغويّون بعض اللّغات أحيانا إلى أهل اليمن، وهي في الأصل ساميّة غير عربيّة.
3 -كما ذكر أبو حنيفة الدّينوريّ لفظ"الجفن"اسما لبعض كبار الشّجر ودقاقها، وصوابه"الكفن"، وهو ضرب من الإبدال، انظر مادّة"ج ف أ".
4 -وممّا يجدر ذكره أنّ بين"ج ف ن"و"ك ف ن"اشتقاقا أكبر؛ إذ الجفن والكفن بمعنى واحد، وهو التّغطية، فمن الثّاني: الكفن، وهو ثوب الميّت، وفي الحديث:"فأهدى له شاة وكفنها"أي ما يغطّيها من الرّغفان، يقال: كفنت الخبزة في الملّة، أي واريتها بها.
الاستعمال القرآنيّ
جاء منها لفظ واحد اسما مجموعا، في سورة مكّيّة:
يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ سبأ: 13
ويلاحظ أنّ في الآية بحوثا:
1 -الجفان: جمع جفنة، وكانت ممّا يعمله الجنّ لسليمان، فإنّ ضمير الجمع في (يعملون) راجع إلى الجنّ في الآية السّابقة.
2 -إردافها بالمحاريب- وهي بيوت شريفة- والتّماثيل، وكذلك تشبيهها ب (الجواب) وهي الحياض الكبار، وب قُدُورٍ راسِياتٍ وهي القدور الكبار الرّاسية في مكانها، كلّ ذلك دلّ على أنّ"الجفان"كانت صحافا كبارا جدّا يأكل منها جماعة؛ وبذلك يبطل ما قيل:
من أنّها مطلق ما يوضع فيه الطّعام، فلو كانت كذلك في أصل اللّغة، ولكنّ المراد بها في الآية الكبار منها.