المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 697
2 -قال طنطاوي:"هذا تمثيل لسلطته على من يغويهم برجل مغير صاح على قوم فاستفزّهم من أماكنهم، وأجلب عليهم بجنده حتّى استأصلهم". وبناء عليه فالآية تمثيل وتشبيه جمعيّ لطرق إغواء الشّيطان من يغويهم، فلا تحمل الألفاظ على حقيقتها، وهو حقّ لا بأس به.
3 -الآية جاءت عقيب قول الشّيطان، بعد الرّجم والطّرد من قبل اللّه: أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء: 62، وبعد قول اللّه له: اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا الإسراء: 63، فالأمر بالاستفزاز والإجلاب عليهم وبالإشراك في الأموال والأولاد، وبوعدهم غرورا، كلّها بيان لما يفعل الشّيطان بمن تبعه. والأمر فيها للتّقريع، دون الإيجاب والتّكليف.
وتوضّحه الآية بعدها: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا الإسراء: 65، أي أنّ اللّه كفيل بحفظ عباده من إغواء الشّيطان، دون من اتّبعه بهواه. قال ابن كثير:"و هذا أمر قدريّ"أي فرضيّ وتقديريّ، كأنّه أمره اللّه بذلك.
ثانيا: في (2) بحوث أيضا:
1 -أنّها جاءت عقيب آيتين، فيهما ذكر الّذين يؤذون اللّه ورسوله والمؤمنين والمؤمنات، وهم المنافقون الّذين جاء ذكرهم في آيات بعدها؛ حيث أنذرهم بالأخذ والتّقتيل بكلّ مكان: أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا الأحزاب: 61، فيبدو أنّ للآية علاقة بما كان المنافقون يؤذون به المؤمنات، وهذا ما قاله الطّبرسيّ من أنّهم كانوا يؤذون الإماء، لأنّهنّ كنّ مكشوفات الرّؤوس والجباه، وكانوا قد يعترضون للحرائر، وادّعوا أنّهم حسبوهنّ إماء، فأمر اللّه الحرائر بإدناء جلابيبهنّ، ليعرفن أنّهنّ حرائر، فلا يؤذين، حسما لكيد المنافقين.
وقال النّيسابوريّ:"كانت النّساء في أوّل الإسلام على عادتهنّ في الجاهليّة مبتذلات يبرزن في درع وخمار، من غير فصل بين الحرّة والأمة، فأمرن بلبس الأردية والملاحف، وستر الرّأس والوجوه".
2 -الجلابيب: جمع جلباب، واتّفقت كلمتهم في أنّه ما يستر المرأة، واختلفت في وصفه: هل هو مقنعة، أو خمار أو رداء يستر من فوق إلى أسفل، أو الثّياب والقميص والخمار وما تستتر به المرأة، أو الملاءة الّتي تشتمل بها المرأة فوق الدّرع والخمار، أو هو ثوب واسع أوسع من الخمار ودون الرّداء، تلويه المرأة على رأسها، وتبقي منه ما ترسله على صدرها، أو ثوب أكبر من الخمار، أو الثّوب الّذي يستر جميع البدن، أو القميص، وثوب واسع دون الملحفة، والملحفة: ما ستر اللّباس والخمار، وهو كلّ ما غطّى الرّأس، أو كلّ ما يستر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب، أو هو مردّد بين ما يشمل جميع البدن، أو الخمار الّذي يغطّي الرّأس والوجه، أو الجلابيب مختلفة باختلاف أحوال النّساء والعادات.
ونقول: لعلّ الاختلاف في توصيف الجلابيب نشأ من اختلاف العادات، حسب الأزمنة والأمكنة، ولكن المدار على ما كان معمولا عند نزول الآية، ولا عبرة بما شاع منها بعدها في البلاد.