فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 715
لحمه متناه، فلا بدّ وأن ينفد، وعند نفاد لحمه لا بدّ من طريق آخر في تبديل الجلد، ولم يكن الطّريق مذكورا أوّلا، واللّه أعلم. (10: 134)
القرطبيّ: والمعنى في الآية: تبدّل الجلود جلودا أخر. فإن قال من يطعن في القرآن من الزّنادقة: كيف جاز أن يعذّب جلدا لم يعصه؟
قيل له: ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنّما الألم واقع على النّفوس؛ لأنّها هي الّتي تحسّ وتعرف، فتبديل الجلود زيادة في عذاب النّفوس، يدلّ عليه قوله تعالى:
لِيَذُوقُوا الْعَذابَ وقوله تعالى: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا الإسراء: 97.
فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح، ولو أراد الجلود، لقال: ليذقنّ العذاب. [ثمّ أدام نحو الطّبريّ]
الشّوكانيّ: والمعنى أنّها كلّما احترقت جلودهم بدلّهم اللّه جلودا غيرها، أي أعطاهم مكان كلّ جلد محترق جلدا آخر غير محترق. فإنّ ذلك أبلغ في العذاب للشّخص، لأنّ إحساسه لعمل النّار في الجلد الّذي لم يحترق، أبلغ من إحساسه لعملها في الجلد المحترق.
وقيل: المراد بالجلود: السّرابيل الّتي ذكرها في قوله:
سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ إبراهيم: 50، ولا موجب لترك المعنى الحقيقيّ هاهنا، وإن جاز إطلاق الجلود على السّراويل مجازا. [ثمّ استشهد بشعر] (1: 612)
الآلوسيّ: أي أعطيناهم مكان كلّ جلد محترق عند احتراقه جلدا جديدا مغايرا للمحترق صورة، وإن كانت مادّته الأصليّة موجودة، بأن يزال عنه الإحراق؛ فلا يراد أنّ الجلد الثّاني لم يعص فكيف يعذّب، وذلك لأنّه هو العاصي باعتبار أصله، فإنّه لم يبدّل إلّا صفته.
وعندي أنّ هذا السّؤال ممّا لا يكاد يسأله عاقل فضلا عن فاضل؛ وذلك لأنّ عصيان الجلد وطاعته وتألّمه وتلذّذه غير معقول، لأنّه من حيث ذاته لا فرق بينه وبين سائر الجمادات من جهة عدم الإدراك والشّعور، وهو أشبه الأشياء بالآلة. فيد قاتل النّفس ظلما مثلا آلة له، كالسّيف الّذي قتل به ولا فرق بينهما، إلّا بأنّ اليد حاملة للرّوح، والسّيف ليس كذلك، وهذا لا يصلح وحده سببا لإعادة اليد بذاتها وإحراقها، دون إعادة السّيف وإحراقه، لأنّ ذلك الحمل غير اختياريّ.
فالحقّ أنّ العذاب على النّفس الحسّاسة بأيّ بدن حلّت وفي أيّ جلد كانت، وكذا يقال في النّعيم.
ويؤيّد هذا إنّ من أهل النّار من يملأ زاوية من زوايا جهنّم، وأنّ سنّ الجهنّميّ كجبل أحد، وأنّ أهل الجنّة يدخلونها على طول آدم عليه السّلام ستّين ذراعا في عرض سبعة أذرع. ولا شكّ أنّ الفريقين لم يباشروا الشّرّ والخير بتلك الأجسام، بل من أنصف رأى أنّ أجزاء الأبدان في الدّنيا لا تبقى على كمّيّتها كهولة وشيوخة، وكون الماهيّة واحدة لا يفيد، لأنّا لم ندع فيما نحن فيه أنّ الجلد الثّاني يغاير الأوّل كمغايرة العرض للجوهر أو الإنسان للحجر، بل كمغايرة زيد المطيع لعمرو العاصي مثلا، على أنّه لو قيل: إنّ الكافر يعذّب أوّلا ببدن من حديد تحلّه الرّوح، وثانيا ببدن من غيره، كذلك لم يسغ لأحد أن يقول: إنّ الحديد لم يعص فكيف أحرق بالنّار! ولو لا ما علم من الدّين بالضّرورة من المعاد الجسمانيّ،