فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 717
شهادة باطلة؛ إذ هي شهادة غير شاهد. والشّهادة هنا يراد بها الإقرار، فتقول اليد: أنا فعلت كذا وكذا، وتقول الرّجل: أنا مشيت إلى كذا وكذا، وكذلك الجوارح الباقية تنطق مقرّة بأعمالها. فترجّح بهذا أن يكون المراد به شهادة الجوارح.
وإذا أريد به الجوارح، فلا يخلو إمّا أن يراد به الكلّ أو البعض. فإن أريد به الكلّ، دخل تحته السّمع والبصر، ولم يكن لتخصيصهما بالذّكر فائدة. وإن أريد به البعض، فهو بالفرج أخصّ منه بغيره من الجوارح، لأمرين:
أحدهما: أنّ الجوارح كلّها قد ذكرت في القرآن الكريم شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج، فكان حمل الجلد عليه أولى، ليستكمل ذكر الجميع.
الآخر: أنّه ليس في الجوارح ما يكره التّصريح بذكره إلّا الفرج، فكنّي عنه بالجلد، لأنّه موضع يكره التّصريح فيه بالمسمّى على حقيقته.
فإن قيل: إنّ تخصيص السّمع والبصر بالذّكر من باب التّفصيل، كقوله تعالى: فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ الرّحمن: 68، والنّخل والرّمّان من الفاكهة.
قلت في الجواب: هذا القول عليك لالك، لأنّ النّخل والرّمّان إنّما ذكرا لتفضيل لهما في الشّكل أو في الطّعم، والفضيلة هاهنا في ذكر الشّهادة إنّما هي تعظيم لأمر المعصية، وغير السّمع والبصر أعظم في المعصية، لأنّ معصية السّمع إنّما تكون في سماع غيبة، أو في سماع صوت مزمار أو وتر، أو ما جرى هذا المجرى. ومعصية البصر إنّما تكون في النّظر إلى محرّم، وكلتا المعصيتين لاحدّ فيها. وأمّا المعاصي الّتي توجد من غير السّمع والبصر فأعظم، لأنّ معصية اليد توجب القطع، ومعصية الفرج توجب جلد مئة أو الرّجم، وهذا أعظم، فكان ينبغي أن تخصّ بالذّكر دون السّمع والبصر. وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه، فلم يكن المراد بالجلود: إلّا الفروج خاصّة. (القاسميّ 14: 5197)
الفخر الرّازيّ: ما رأيت للمفسّرين في تخصيص هذه الأعضاء الثّلاثة بالذّكر سببا وفائدة، وأقول: لا شكّ أنّ الحواس خمسة: السّمع، والبصر، والشّمّ، والذّوق، واللّمس، ولا شكّ أنّ آلة اللّمس هي الجلد. فاللّه تعالى ذكر هاهنا من الحواسّ وهي السّمع والبصر واللّمس، وأهمل ذكر نوعين وهما الذّوق والشّمّ، لأنّ الذّوق داخل في اللّمس من بعض الوجوه، لأنّ إدراك الذّوق إنّما يتأتّى بأن تصير جلدة اللّسان والحنك مماسّة لجرم الطّعام، فكان هذا داخلا فيه، فبقي حسّ الشّمّ وهو حسّ ضعيف في الإنسان، وليس للّه فيه تكليف ولا أمر ولا نهي.
إذا عرفت هذا فنقول: نقل عن ابن عبّاس أنّه قال:
المراد من شهادة الجلود: شهادة الفروج، قال: وهذا من باب الكنايات، كما قال: وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا البقرة: 235، وأراد النّكاح، وقال: أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ النّساء: 43، والمراد قضاء الحاجة. وعن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال:"أوّل ما يتكلّم من الآدميّ فخذه وكفّه". وعلى هذا التّقدير فتكون هذه الآية وعيدا شديدا في الإتيان بالزّنى، لأنّ مقدّمة الزّنى إنّما تحصل بالكفّ، ونهاية الأمر فيها إنّما تحصل بالفخذ. (14: 116)