فهرس الكتاب

الصفحة 5267 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 719

على الخلق أوّل مرّة، قادر على إنطاق كلّ شي ء.

عبد الكريم الخطيب: ثمّ هناك"الجلد"وهو هذا الثّوب الّذي يكسو الإنسان، ويحوي كيانه كلّه، وهو موضع الإحساس فيه، ويمثّل حاسّة اللّمس، إلى جوانب الحواسّ الأخرى، من السّمع والبصر والذّوق والشّمّ الّتي يحويها كلّها الوعاء الجلديّ.

وقد فسّر بعض العلماء"الجلد"بالفرج، وهو تأويل بعيد، لا تساعد عليه اللّغة، وإن كانت الفروج من الجوارح الّتي تهدّد النّاس بأفدح الأخطار وأشنعها.

فكان حمل الجلود عليها منظورا فيه إلى إقامة أفصح الشّهود وأكثرهم دلالة على جرم المجرمين. وهذا ما نرى أنّ القرآن الكريم لم يقصد إليه هنا، وإلّا لأنطق القلوب الّتي هي موطن الفساد، وقائدي الضّلال عند أهل الفساد والضّلال والكفر!

كذلك فسّر بعض العلماء المحدّثين"الجلد"ببصمات الأصابع؛ حيث لكلّ إنسان بصمة أصابعه الّتي لا يشاركه فيها إنسان غيره. وهذا التّأويل محمول فيه الجلد على أنّه الّذي يكشف عن شخصيّة الإنسان، وينادي عليه أنّ هذا هو فلان"المجرم"فخذوه.

وهذا المعنى أيضا غير وارد فيما سيقت الآية الكريمة له، وهو أنّ اللّه سبحانه وتعالى أقام على الكافرين والمشركين والضّلّال شهودا عليهم من الجوارح الّتي كانت في الدّنيا من القوى المسخّرة لهم، والّتي كانت نعما من نعم اللّه الجليلة عندهم، لو أنّهم أحسنوا الانتفاع بها، ولكنّهم وجّهوها غير وجهتها الّتي خلقها اللّه لها. وكان ذلك عدوانا على هذه الجوارح ذاتها، بتكليفها ما لو كانت لها إرادة لأبت أن تفعله.

فلمّا جاء يوم الحساب، ولم يكن للإنسان سلطان عليها في هذا اليوم، لأنّ إرادته قد تعطّلت، تمثّلت هذه الجوارح شخوصا، تقف من صاحبها موقف الخصومة، وتنطق بما ارتكب بها صاحبها من منكرات، ليقتصّ لها اللّه سبحانه من صاحبها، المعتدي عليها.

والجلود هنا هي- كما قلنا- الثّوب الّذي يكسو الكيان الإنسانيّ كلّه، ويحوي في داخله هذا الهيكل البشريّ، وما حوى من مشاعر، وأحاسيس ووجدانات.

فشهادة الجلد شهادة شاملة لكلّ ما شهدت به هذه الجوارح من الألسنة، والأيدي، والأرجل، تستدرك ما فات هذه الجوارح أن تشهد عليه، ممّا لم يكن داخلا في نطاق وظيفتها. ولهذا فإنّهم- أي أهل الضّلال- يتّجهون إلى جلودهم وحدها بالاستنكار عليها، أن تؤدّي هذه الشّهادة الّتي تدينهم وتدين جلودهم معهم.

وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ ءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فصّلت: 21.

والجلود قد أنطقها اللّه سبحانه الّذي أنطق كلّ شي ء، فكلّ شي ء ناطق للّه سبحانه وتعالى، كما أنّ كلّ شي ء مسبّح بحمده، كما يقول سبحانه: وَإِنْ مِنْ شَيْ ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ الإسراء: 44، فليس المراد بالنّطق هنا نطق اللّسان، وإنّما المراد هو إفصاح الموجود عن وجوده، والإبانة عن ولائه لخالقه، بأيّة صورة من الصّور. ومن هذه الصّور انتظام الموجود في نظام الوجود، وجريانه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت