فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 724
وجهة نظر القرآن لا تقام إلّا برضى الشّعب المسلم ودعمه، واشتراكه في إقامة الدّولة الإسلاميّة. وهذا باب من التّشريع السّياسيّ يتطلّب بحثا طويلا، كما أنّها دليل على أنّ النّاس مكلّفون بدفع المفاسد الاجتماعيّة سواء ما يقوم بها الحكّام أو غيرهم، وهذا شعبة وفرع من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.
رابعا: كلّ ما قلناه في الزّنى والسّرقة فهو جار في القذف، ولا فرق بينهما إلّا من وجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ آية القذف (2) جاء فيها بدل القاذف والقاذفة: الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ وفيها مسحة من الدّوام والاستمرار أيضا، لكن ليست بذلك الوضوح.
الثّاني: أنّها خاصّة بالرّجال لأنّهم يقذفون المحصنات غالبا، وشذّ القذف من ناحية النّساء، ولو وقع فحكمهنّ حكم الرّجال سواء.
الثّالث: أنّ حدّ القذف حقّ للمقذوف يجب بطلبها ويسقط بعفوها، لأنّه من حقوق الآدميّين، وهذا عند الإماميّة والشّافعيّ، وعند أبي حنيفة أنّه حقّ اللّه، وعند بعض المتأخّرين أنّه من الحقوق المشتركة بين حقّ اللّه وحقّ النّاس. والتّفصيل موكول إلى الفقه وخارج عن منطوق الآية، لاحظ"ق ذ ف".
خامسا: وجاء في المحور الثّاني"الجلود"جمعا فقط، وهي قسمان: جلود الحيوان في (3) وهي نعمة من اللّه للإنسان في الدّنيا، وجلود الإنسان في الباقي وهي قسمان أيضا: جلودهم في الدّنيا مدحا وخوفا من اللّه، في (4) والسّياق في هاتين مدح، وجلودهم في الآخرة تعذيبا في (5 - 9) وكلّها ذمّ. فجلود الإنسان فيها غلبت الحيوان بنسبة 9/ 1، وفي جلود الإنسان غلب الذّمّ والعذاب على الرّحمة بنسبة 8/ 1، وإليك التّفصيل:
سادسا: جاء في (3) وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا اختلفوا في أنّ المراد بالبيوت: الخيام الّتي تنسج من أشعارها وأوبارها، أو الّتي تصنع من الأدم والأنطاع، أو القسمان معا. فالجلود في الوجه الثّاني أريد بها نفسها، وفي الأوّل والأخير تعمّ متعلّقاتها، والتّعميم أولى وأصدق لشيوع القسمين بين العرب، إلّا أنّ ذيلها:
وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ جعل متعلّقات الجلود صنفا مقابلا لها، فالمراد بالجلود نفسها فقط، وهذه نكتة لم يلتفتوا إليها، ولعلّها أوجبت اختيار أكثرهم الوجه الأوّل.
سابعا: جاءت في (4) الجلود مرّتين في وصف القرآن وأثره البالغ في قلوب الّذين يخشون ربّهم، وفي (جلودهم) أي في ظاهرهم وباطنهم فتقشعرّ به جلودهم أوّلا ثمّ تلين به جلودهم وقلوبهم إلى ذكر اللّه، وفيها بحوث:
1 -لا ريب أنّ القرآن أثّر بدء في باطنهم وقلوبهم، لأنّها موضع الخشية، ومنها تتجاوز إلى ظاهرهم وجلودهم، إلّا أنّ القرآن قدّم اقشعرار الجلود على خشية القلوب ولينها، لأنّه الأثر الظّاهر المشهود الدّالّ على الباطن، تقديما للمحسوس على المعقول، وللدّليل على المدلول عليه.
2 -أنّه قد خصّ الأثر الظّاهر أوّلا بالجلود، وهو الاقشعرار الحاكي عن وجود الخوف والاضطراب في