فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 725
الباطن، من دون التّصريح به، ثمّ عقّبه باللّين الحاكي عن الاطمئنان والائتمان، وعمّه للجلود والقلوب جميعا، ومعنى ذلك أنّ الخوف والاضطراب بالقرآن للّذين يخشون ربّهم بمثابة من الشّدّة والعظمة لا يحكيها سوى اقشعرار الجلود، فاكتفى بها. أمّا الأمن والاطمئنان فيبصران ويدركان في الجلود والقلوب معا، ابتداء بالجلود وانتهاء بالقلوب، عكس ما هو الواقع، لأنّهما في الجلود محسوسان، وفي القلوب مدركان.
3 -قال الطّباطبائيّ (17: 256) : (تقشعرّ) صفة (الكتاب) وليس استئنافا، والاقشعرار تقبّض الجلد تقبّضا شديدا، لخشية عارضة عن استماع أمر هائل أو رؤيته ... ولم يذكر"القلوب"عند ذكر الاقشعرار، لأنّ المراد بالقلوب: النّفوس، ولا إقشعرار لها وإنّما لها الخشية"وهذا وجه آخر غير ما ذكرناه في اختصاص الاقشعرار بالجلود."
4 -كأنّ التّعبير عن شدّة الخوف والاضطراب باقشعرار الجلود استعارة بليغة نظير: زيد أسد، من دون أن يقع في الجلود اقشعرار حقيقة. وله نظائر في القرآن، وفي كلام البلغاء، لاحظ"قرآن وقلب".
ثامنا: جاء في (5) من جملة عذاب الّذين كفروا يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ* يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ فاختلفوا في (و الجلود) هل هي عطف على (ما في بطونهم) فيكون المعنى يصهر ويذوب ما في بطونهم من الأحشاء وتذوب به جلودهم، فيتأثّر بها ظاهرهم وباطنهم بالذّوبان، أو هي فاعل فعل محذوف (يخرق) أي ويخرق جلودهم، لأنّ الجلود لا تذاب بل تخرق وتنكمش على النّار؟
وقد أثير فيها سؤال: لم أخّرت الجلود عن"ما في البطون"مع أنّ الجلود هي الّتي تمسّ وتتأثّر أوّلا بالنّار، ومنها تنفد النّار إلى الباطن؟
والجواب عنه بوجوه:
1 -أنّه لرعاية الفواصل، وكأنّهم أرادوا بها حرف الدّال، لكثرته في الفواصل قبلها وبعدها، مثل: يزيد، شهيد، عديد، حميد، وإلّا فليس هناك تناسق بينها من حيث الصّيغة، مع أنّه لا يدوم أيضا، فقبلها، يشاء وبعدها: الحريق، حرير، أليم، السّجود. وهذا الأخير يناسب (الجلود) وزنا وختاما بالدّال.
2 -أنّه للإشعار بغاية شدّة الحرارة بإيهام أنّ أثرها في الباطن يسبق أثرها في الظّاهر مع أنّ ملابستها على العكس.
3 -أنّ تأثيرها في الظّاهر غنيّ عن البيان، وإنّما ذكر للإشارة إلى تساويهما، فقدّم الباطن لأنّه المقصود الأهمّ.
4 -ربّما يخطر بالبال أنّها توهّم أنّ النّار تنبع من باطنهم، لأنّه موضع النّيّات، وهي منشأ الشّرور أو الخيرات"إنّما الأعمال بالنّيّات"وهذا مدفوع بأنّ صدر الآية: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ وهذا صريح في أنّ منشأ العذاب في الظّاهر، نعم، هذا لا ينفي أن يكون له منشأ من الباطن أيضا. والّذي يسهّل الخطب أنّ التّمثيل والتّشبيه غالب على أمثال هذه الآية، فالتّفنّن فيها مسموح ومقبول.
تاسعا: جاءت (جلود) في (6) مرّتين أيضا:
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها،