المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 783
إلى أنّ الغشية والتّجلّي من اللّيل والنّهار هما المقصودان بالتّنبيه والالتفات بما أغنى عن ذكر مفعول أو متعلّق، مثل زيد يعطي.
ولا بأس بما قالت إلّا أنّها غفلت عن أنّ للرّويّ دخلا في سياقة هذه الأقسام في السّورتين وفي غيرهما، وقد أظهر متعلّقاتهما في (جلّيها) و (يغشيها) لذلك، وإن اختلفوا في مرجع الضّمير.
8 -نبّه البروسويّ في (1) و (4) على أنّ الإتيان فيهما بصيغة الماضي في التّجلية وبالمضارع في الغشية، للدّلالة على أنّه لا يجري على اللّه زمان، فالمستقبل عنده كالماضي، مع مراعاة الفواصل. والثّاني هو الوجه عندنا كما أشرنا إليه آنفا، إضافة إلى ما يخطر بالبال من التّنبيه على تأخّر اللّيل عن النّهار، من وجهة نظر القرآن- لاحظ اللّيل والنّهار- وعلى ظهور النّهار وغياب اللّيل دائما، فكأنّ النّهار موجود عندنا واللّيل غائب عنّا، لم يوجد بعد.
9 -قدّم حدث النّهار على اللّيل في (1) وأخّر عنه في (4) فما هو الفارق بينهما؟
والجواب أنّ التّقديم والتّأخير في (1) تتابع وتناسق للآيتين قبلهما؛ حيث قدّم فيهما الشّمس على القمر، والنّهار مظهر الشّمس واللّيل مظهر القمر، وليس الأمر كذلك في (4) حيث لم يتقدّمها الشّمس والقمر، بل أقسم اللّه فيها باللّيل والنّهار تنبيها على تعاقب البلاء والنّعماء.
وعلى الجملة ففي الأقسام القرآنيّة مناسبة بين القسم وجوابه، لاحظ"المدخل"بحث الأقسام.
10 -وتلك عشرة كاملة- أقسم اللّه بهذه الآيات السّماويّة من الشّمس والقمر والنّجوم وما يتبعها من اللّيل والنّهار والضّحى والسّجى والتّجلية والغشاوة، مقارنا بما يحدث فيها من الحالات الدّالّة على أنّها آثار قدرة اللّه فيها، وعلى حدوثها ذاتا، وإلّا لم يعترضها تبديل وتغيير، فلاحظ وَالشَّمْسِ وَضُحاها* وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها* وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها* وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها الشّمس: (1 - 4) ، وغيرها، وهذا آخر البحوث في (1) و (4) .
رابعا: في (2) أجاب اللّه عن سؤالهم عن وقت السّاعة، بأنّ علمها عند اللّه، لا يجلّيها لوقتها إلّا هو.
والسّؤال خاصّ بوقتها، أمّا الجواب فيشمل أمرين:
1 -العلم بها خاصّ باللّه إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي.
2 -هو الّذي يظهرها في وقتها لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ.
ومن أجل ذلك اختلفت كلماتهم في تفسيرها، بين من خصّ التّجلية بالسّاعة نفسها، ومن عمّها للعلم بها.
فالفريق الأوّل قالوا: لا يأتي بها، لا يرسلها لوقتها، لا يظهرها في وقتها، لا يبيّن وقتها وحينها ونحوها.
والفريق الثّاني قالوا: لا يظهر أمرها ولا ينكشف خفاء علمها إلّا هو، لا يظهرها في وقتها المعيّن، أي لا يقدر على إظهار وقتها المعيّن بالإعلام والإخبار إلّا هو، لا يظهرها ولا يكشف عنها في وقتها وعند وقوعها إلّا اللّه سبحانه، قاله الطّباطبائيّ ثمّ قال:"و يدلّ ذلك على أنّ ثبوتها ووجودها والعلم بها واحد، أي إنّها محفوظة في مكمن الغيب عند اللّه تعالى، يكشف عنها ويظهرها متى شاء، من غير أن يحيط بها غيره"