المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 9، ص: 784
سبحانه ..."فكأنّه أشار أنّ السّاعة موجودة فعلا لكنّها خفيّة، واللّه يكشفها في وقتها."
فهذا سرّ التّعبير عنها ب (يجلّيها) لأنّ التّجلية: إظهار الشّي ء الخفيّ، دون إيجاد الشّي ء المعدوم. وإليه أشار المصطفويّ بقوله:"أي لا يكشف ما يمنع جلاءها إلّا هو فإنّ عالم الطّبيعة وحدود المادّة غشاء عن جلاء السّاعة ..."فإنّ التّجلية رفع السّتار عن الشّي ء الخفيّ، وفي كلامهما لطف ليس في كلام غيرهما.
خامسا: في (3) حكاية سؤال موسى ربّه ليريه نفسه، وإجابة اللّه إيّاه ب (لن ترنى) وأمره بالنّظر إلى الجبل إذا تجلّى اللّه للجبل، فإن استقرّ مكانه فسوف يراه موسى. وهذا تعليق على المحال؛ إذ لمّا تجلّى اللّه للجبل جعله دكّا وخرّ موسى صعقا، فلمّا أفاق من صعقته تاب إلى اللّه ممّا تمنّى من المحال، وفيها بحوث:
1 -اختلفوا في كيفيّة تجلّي الرّبّ- بعد اتّفاقهم على أنّ ذات اللّه لا يتجلّى كما تتجلّى الأجسام للأنظار- على وجوه: مثل تجلّي نوره- قاله أكثرهم- تجلّي عظمته، أو تدبيره، أو قدرته وإرادته وسلطانه، وتجلّي بعض آياته، أو تجلّي ملكوته، أو عرشه، أو تجلّي أمره، أو وحيه، أو هو مثل لظهور اقتداره وإرادته بما فعل بالجبل، لا أنّ هناك تجلّيّا، وهو مثل: أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يس: 82، أو تجلّي أسمائه وصفاته- وهو راجع إلى ما تقدّمه- أو نحوها، وكلّها تأويل للآية تجنّبا عمّا هو ظاهرها من ظهوره كالأجسام.
وأمسك بعضهم عن تأويلها، فقال: ظهر لموسى على الوجه اللّائق بجنابه من غير انتقال ولا وصف، يدلّ على الجسميّة، أو قال:"هي من المتشابهات الّتي يسلك فيها طريق التّسليم، وهو أسلم وأحكم، أو التّأويل بما يليق بجلال ذاته تعالى". أو قال:"لعلّه أريد به إزالة الحوائل المعتادة الّتي جعلها حجابا بين الموجودات الأرضيّة وبين قوى الجبروت الّتي استأثر اللّه تعالى بتصريفها على مقادير مضبوطة ومتدرّجة في عوالم مترتّبة ترتيبا يعلمه اللّه". ثمّ شبّهها بالعقول العشرة عند الحكماء.
2 -ليس التّأويل فيها خاصّا بالمتكلّمين من المعتزلة وغيرهم الّذين تستحيل عندهم رؤية اللّه، بل يعمّ أهل السّنّة القائلين بجواز الرّؤية، لأنّ المشكلة هنا ليست في الرّؤية بل في التّجسيد المحال على اللّه عند الجميع.
3 -ومنهم من قال: إنّ (تجلّى) بمعنى"جلّى"كقولهم:
"حدّث وتحدّث"أي جلّى ربّه أمره للجبل، أي أبرز في ملكوته للجبل ما تدكدك به.
4 -ومنهم من قال: إنّ معناه فلمّا تجلّى بالجبل لموسى فيكون (اللّام) بمعنى (الباء) .
5 -ومنهم من قال: خلق للجبل حياة وحسّا وإدراكا يرى به، ثمّ ظهر وبدا سلطانه، فاندكّ الجبل لشدّة المطلع.
6 -ومنهم من زعم أنّ المراد بالجبل: أهل الجبل، مثل: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ يوسف: 82، وهم موسى ومن كان معه في الجبل.
ونحن نقول: هذه الخلافات دليل على أنّ الآية من المتشابهات، وفيها مسلكان: التّأويل بما يرفع التّشابه، أو التّسليم بما أراد اللّه بها من غير تأويل، وهو الموافق