فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 57
أن يكون قوله: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ المراد منه أن يعصمه عن هذا الشّرك الخفيّ، واللّه أعلم بمراده.
والجواب عن السّؤال الثّالث من وجوه:
الأوّل: قال صاحب"الكشّاف": قوله: (و بنىّ) أراد بنيه من صلبه، والفائدة في هذا الدّعاء عين الفائدة الّتي ذكرناها في قوله: (و اجنبنى) .
الثّاني: قال بعضهم: أراد من أولاده وأولاد أولاده:
كلّ من كانوا موجودين حال الدّعاء، ولا شبهة أنّ دعوته مجابة فيهم.
الثّالث: قال مجاهد: لم يعبد أحد من ولد إبراهيم عليه السّلام صنما، والصّنم هو التّمثال المصوّر، وما ليس بمصوّر فهو وثن. وكفّار قريش ما عبدوا التّمثال وإنّما كانوا يعبدون أحجارا مخصوصة وأشجارا مخصوصة. وهذا الجواب ليس بقويّ، لأنّه عليه السّلام لا يجوز أن يريد بهذا الدّعاء إلّا عبادة غير اللّه تعالى، والحجر كالصّنم في ذلك.
الرّابع: أنّ هذا الدّعاء مختصّ بالمؤمنين من أولاده، والدّليل عليه أنّه قال في آخر الآية: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي إبراهيم: 36، وذلك يفيد أنّ من لم يتبعه على دينه فإنّه ليس منه، ونظيره قوله تعالى لنوح: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ هود: 46.
الخامس: لعلّه وإن كان عمّم في الدّعاء إلّا أنّ اللّه تعالى أجاب دعاءه في حقّ البعض دون البعض؛ وذلك لا يوجب تحقير الأنبياء عليهم السّلام، ونظيره قوله تعالى في حقّ إبراهيم عليه السّلام: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ البقرة: 124.
نحوه النّيسابوريّ. (13: 134)
البيضاويّ: بعّدني وإيّاهم. [إلى أن قال:]
وفيه دليل على أنّ عصمة الأنبياء بتوفيق اللّه وحفظه إيّاهم- وهو بظاهره- لا يتناول أحفاده وجميع ذرّيّته. (1: 532)
نحوه البروسويّ. (4: 424)
أبو حيّان: جنب مخفّفا وأجنب رباعيّا لغة نجد، وجنّب مشدّدا لغة الحجاز، والمعنى منع، وأصله: من الجانب. (5: 429)
أبو السّعود: [نحو البيضاويّ وأضاف:]
وليت شعري كيف ذهب عليه ما في القرآن العظيم من قوارع تنعي على قريش عبادة الأصنام، على أنّ فيما ذكره كرّا على ما فرّ منه. (3: 492)
الآلوسيّ: [نحو الزّجّاج إلى أن ذكر قول الفخر الرّازيّ ثمّ قال:]
ويرد على الأخير أنّه يعود السّؤال عليه فيما أظنّ، لأنّ النّظر إلى السّويّ يحاكي الشّرك الّذي يقول به المشركون عند الصّوفيّة. [ثمّ استشهد بشعر]
ولا أظنّ أنّهم يجوّزون ذلك للأنبياء عليهم السّلام، وحيث بني الكلام على ما قرّروه، يقال: ما فائدة سؤال العصمة عن ذلك والأنبياء عليهم السّلام معصومون عنه؟
والجواب الصّحيح عندي ما قيل: إنّ عصمة الأنبياء عليهم السّلام ليست لأمر طبيعيّ فيهم بل بمحض توفيق اللّه تعالى إيّاهم وتفضّله عليهم، ولذلك صحّ طلبها. وفي بعض الآثار أنّ اللّه سبحانه قال لموسى عليه السّلام: يا موسى لا تأمن مكري حتّى تجوز الصّراط.