فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 58
وأنت تعلم أنّ المبشّرين بالجنّة على لسان الصّادق المصدوق، عليه الصّلاة والسّلام، كانوا كثيرا ما يسألون اللّه تعالى الجنّة مع أنّهم مقطوع لهم بها، ولعلّ منشأ ذلك ما قيل لموسى عليه السّلام، فتدبّر.
والمتبادر من (بنيه) عليه السّلام من كان من صلبه، فلا يتوهّم أنّ اللّه تعالى لم يستجب دعاءه لعبادة قريش الأصنام، وهم من ذرّيّته عليه السّلام، حتّى يجاب بما قاله بعضهم: من أنّ المراد كلّ من كان موجودا حال الدّعاء من أبنائه، ولا شكّ أنّ دعوته عليه السّلام مجابة فيهم، أو بأنّ دعاءه استجيب في بعض دون بعض، ولا نقص فيه كما قال الإمام. [إلى أن قال:]
واستدلّ بعض أصحابنا بالآية على أنّ التّبعيد من الكفر والتّقريب من الإيمان ليس إلّا من اللّه تعالى، لأنّه عليه السّلام إنّما طلب التّبعيد عن عبادة الأصنام منه تعالى، وحمل ذلك على الألطاف، وفيه ما فيه. (13: 234)
المراغيّ: [نحو الزّجّاج وقال:]
وقد استجيب دعاؤه في بعض بنيه دون بعض، ولا ضير في ذلك. (13: 159)
الطّباطبائيّ: يقال: جنبه وأجنبه، أي أبعده، وسؤاله عليه السّلام أن يجنبه اللّه ويبعده وبنيه من عبادة الأصنام لواذ، والتجاء إليه تعالى من الإضلال الّذي نسبه إليهنّ في قوله: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ إبراهيم: 36.
ومن المعلوم أنّ هذا الإبعاد والإجناب منه تعالى- كيفما كان وأيّامّا كان- تصرّف مّا، وتأثير منه تعالى في عبده بنحو، غير أنّه ليس بنحو يؤدّي إلى الإلجاء والاضطرار، ولا ينجرّ إلى القهر والإجبار، بسلب صفة الاختيار منه؛ إذ لا مزيّة لمثل هذا الابتعاد حتّى يسأل ذلك مثل إبراهيم خليل اللّه.
فرجع بالحقيقة إلى ما تقدّم في قوله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ إبراهيم: 27 الآية، أنّ كلّ خير من فعل أو ترك فإنّه منسوب إليه تعالى أوّلا، ثمّ إلى العبد ثانيا، بخلاف الشّرّ من فعل أو ترك فإنّه منسوب إلى العبد ابتداء، ولو نسب إليه تعالى فإنّما ينسب إذا كان على سبيل المجازاة، وقد أوضحنا ذلك.
فالاجتناب من عبادة الأصنام إنّما يتحقّق عن إجناب من اللّه، رحمة منه لعبده وعناية، وليس في الحقيقة إلّا أمرا تلبّس، واتّصف به العبد، غير أنّه إنّما يملكه بتمليك اللّه سبحانه، فهو المالك له بذاته، والعبد يملكه بأمر منه وإذن، كما أنّ العبد إنّما يهتدي عن هداية من اللّه، وليس هناك إلّا هدى واحد، لكنّه مملوك للّه سبحانه لذاته، والعبد إنّما يملكه بتمليك منه سبحانه.
وأبسط كلمة في هذا المعنى ما وقع في أخبار آل العصمة:
أنّ اللّه يوفّق عبده لفعل الخير وترك الشّرّ هذا.
فتلخّص أنّ المراد بقوله عليه السّلام: (و اجنبنى) سؤال ما للّه سبحانه من الصّنع في ترك العبد عبادة الأصنام، وبعبارة أخرى هو يسأل ربّه أن يحفظه وبنيه من عبادة الأصنام ويهديهم إلى الحقّ، إن هم عرضوا أنفسهم لذلك، وأن يفيض عليهم إن استفاضوا لا أن يحفظهم منها، سواء عرضوا لذلك أنفسهم أو لم يعرضوا، وأن يفيض عليهم سواء استفاضوا أو امتنعوا، فهذا معنى دعائه عليه السّلام.
ومنه يعلم أنّ نتيجة الدّعاء لبعض المدعوّين لهم وإن كان بلفظ يستوعب الجميع، وهذا البعض هم