فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 140
الذّكر عليه وينسبونه إلى الجنون، والتّعكيس في كلامهم للاستهزاء والتّهكّم مذهب واسع، وقد جاء في كتاب اللّه في مواضع منها: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الإنشقاق:
24 إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ هود: 87، وقد يوجد كثير في كلام العجم.
والمعنى: إنّك لتقول قول المجانين حين تدّعي أنّ اللّه نزّل عليك الذّكر. (2: 378)
نحوه النّسفيّ (2: 269) ، والخازن (4: 47) ، وأبو حيّان (5: 446) ، والشّربينيّ (2: 194) ، وأبو السّعود (4: 8) ، والقاسميّ (10: 3747) ، والمراغيّ (14: 8) .
الفخر الرّازيّ: اعلم أنّه تعالى لمّا بالغ في تهديد الكفّار، ذكر بعده شبههم في إنكار نبوّته: فالشّبهة الأولى:
أنّهم كانوا يحكمون عليه بالجنون، وفيه احتمالات:
الأوّل: أنّه عليه السّلام كان يظهر عليه عند نزول الوحي حالة شبيهة بالغشي فظنّوا أنّها جنون، والدّليل عليه قوله: وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ* وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ القلم: 51، 52، وأيضا قوله: أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ الأعراف: 184.
والثّاني: أنّهم كانوا يستبعدون كونه رسولا حقّا من عند اللّه تعالى، فالرّجل إذا سمع كلاما مستبعدا من غيره، فربّما قال له: هذا جنون وأنت مجنون، لبعد ما يذكره من طريقة العقل، وقوله: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ في هذه الآية يحتمل الوجهين.
أمّا قوله: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ الحجر: 6، ففيه وجهان:
الأوّل: أنّهم ذكروه على سبيل الاستهزاء، كما قال فرعون: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ الشّعراء: 27، وكما قال قوم شعيب: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ هود: 87، وكما قال تعالى:
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ آل عمران: 21، لأنّ البشارة بالعذاب ممتنعة.
والثّاني: يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في زعمه واعتقاده، وعند أصحابه وأتباعه. (19: 158)
البروسويّ: نادوا به النّبيّ عليه السّلام على وجه التّهكّم، ولذا جنّنوه بقولهم: إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ إذ لا يجتمع اعتقاد نزول الذكّر عليه ونسبة الجنون إليه، والمعنى: إنّك لتقول قول المجانين، حين تدّعي أنّ اللّه نزّل عليك الذّكر، أي القرآن. وجواب هذه الآية قوله تعالى في سورة القلم: 2 ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ أي ما أنت بمجنون حال كونك منعما عليك بالنّبوّة وكمال العقل.
يقول الفقير: الجنون من أوصاف النّقصان، يجب تبرئة ساحة الأنبياء وكمّل الأولياء منه، وعدّ نسبته إليهم من الجنون؛ إذ لا سفه أشدّ من نسبة النّقصان وسخافة العقل، والإذعان إلى المراجيح الرّزان، ولا عقل من العقول إلّا وهو مستفيض من العقل الأوّل الّذي هو الرّوح المحمّديّ، والعاقل بالعقل المعادي مجنون عند العاقل بالعقل المعاشي، وبالعكس. ولا يكون مجنونا بالجنون المقبول إلّا بعد دخول دائرة العشق. (4: 442)
الآلوسيّ: يعنون يا من يدّعي مثل هذا الأمر العظيم الخارق للعادة، إنّك بسبب تلك الدّعوى متحقّق جنونك على أتمّ وجه، وهذا كما يقول الرّجل لمن يسمع منه كلاما يستبعده: أنت مجنون. وقيل: حكمهم هذا لما