فهرس الكتاب

الصفحة 5591 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 141

يظهر عليه- عليه الصّلاة والسّلام- من شبه الغشي حين ينزل عليه الوحي بالقرآن، والأوّل- على ما قيل- هو الأنسب بالمقام.

وذهب بعضهم إلى أنّ المقول الجملة المؤكّدة دون النّداء، أمّا هو فمن كلام اللّه تعالى تبرئة له عليه الصّلاة والسّلام عمّا نسبوه إليه من أوّل الأمر. وتعقّب بأنّه لا يناسب قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ إلخ، الحجر:

9، فإنّه كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى ردّ لإنكارهم واستهزائهم.

وقد يجاب بأنّ ذلك على هذا ردّ لما عنوه في ضمن قولهم المذكور، لكن الظّاهر كون الكلّ كلامهم، وقد سبقهم إلى نظيره فرعون عليه اللّعنة بقوله في حقّ موسى عليه السّلام: إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ الشّعراء: 27، تقديم الجارّ والمجرور على نائب الفاعل- كما قيل- لأنّ إنكارهم متوجّه إلى كون النّازل ذكرا من اللّه تعالى، لا إلى كون المنزل عليه رسول اللّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم، بعد تسليم كون النّازل منه تعالى، كما في قوله سبحانه: لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ الزّخرف: 31، فإنّ الإنكار هناك متوجّه إلى كون المنزل عليه رسول اللّه عليه الصّلاة والسّلام. (14: 12)

مغنيّة: ضمير (قالوا) يعود إلى مشركي قريش، وقد خاطبوا محمّدا بالّذي نزّل عليه الذّكر تهكّما واستخفافا، لأنّه في منطقهم ومقاييسهم مجنون يهذي بغير المعقول، وإن كان رحمة للعالمين، وتقدّمت به الإنسانيّة مئات السّنين. والقرآن أيضا من وحي الجنون، وإن كان معجزة المعاجز بعلومه وتعاليمه.

وهذا المنطق لا يختصّ بعبدة الأصنام، ولا بالزّنادقة والملاحدة، فإنّه يشمل كلّ من اتّخذ من ذاته ومنفعته مقياسا للحقّ وميزانا للعدل، حتّى ولو قال: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه .. أبدا لا فرق بين هذا المسلم النّفعيّ الّذي اعترف لمحمّد بالنّبوّة، وبين المشرك الّذي أنكر نبوّة محمّد. لا فرق إلّا أنّ هذا المسلم آمن بمحمّد نظريّا، وكفر به عمليّا. والمشرك أنكره قولا وعملا، فالنّتيجة من حيث العمل واحدة. (4: 468)

2 -قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ.

الشّعراء: 27

الطّبريّ: يقول: إنّ رسولكم هذا الّذي يزعم أنّه أرسل إليكم، لمغلوب على عقله، لأنّه يقول قولا لا نعرفه ولا نفهمه. وإنّما قال ذلك، ونسب موسى- عدوّ اللّه- إلى الجنّة، لأنّه كان عنده وعند قومه أنّه لا ربّ غيره يعبد، وأنّ الّذي يدعوه إليه موسى باطل، ليست له حقيقة. فقال موسى عند ذلك محتجّا عليهم، ومعرّفهم ربّهم بصفته وأدلّته.

إذ كان عند قوم فرعون أنّ الّذي يعرفونه ربّا لهم في ذلك الوقت، هو فرعون، وأنّ الّذي يعرفونه لآبائهم أربابا ملوك أخر، كانوا قبل فرعون قد مضوا، فلم يكن عندهم أنّ موسى أخبرهم بشي ء له معنى يفهمونه ولا يعقلونه، ولذلك قال لهم فرعون: إنّه مجنون، لأنّ كلامه كان عندهم كلاما لا يعقلون معناه: الّذي أدعوكم وفرعون إلى عبادته ربّ المشرق والمغرب وما بينهما،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت