فهرس الكتاب

الصفحة 5598 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 148

وقيل: إنّ قريشا كانوا يقولون: إنّ اللّه تعالى قد صاهر الجنّ فحدث بينهما الملائكة، فيكون على هذا القول المراد به الجنّ المعروف. (2: 342)

الفخر الرّازيّ: واعلم أنّ هذا القول الّذي ذكره ابن عبّاس أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية؛ وذلك لأنّ بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة، مغايرة لما سبق ذكره في الآيات المتقدّمة.

قال ابن عبّاس: والّذي يقوّي هذا الوجه قوله تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا الصّافّات:

158، وإنّما وصف بكونه من الجنّ، لأنّ لفظ الجنّ مشتقّ من الاستتار، والملائكة والرّوحانيّون لا يرون بالعيون، فصارت كأنّها مستترة من العيون، فبهذا التّأويل أطلق لفظ الجنّ عليها.

وأقول: هذا مذهب المجوس، وإنّما قال ابن عبّاس:

هذا قول الزّنادقة، لأنّ المجوس يلقّبون بالزّنادقة، لأنّ الكتاب الّذي زعم زرادشت أنّه نزل عليه من عند اللّه مسمّى ب"الزّند"والمنسوب إليه يسمّى زنديّ. ثمّ عرّب فقيل:"زنديق"، ثمّ جمع فقيل: زنادقة.

واعلم أنّ المجوس قالوا: كلّ ما في هذا العالم من الخيرات فهو من"يزدان"وجميع ما فيه من الشّرور فهو من"أهرمن"، وهو المسمّى بإبليس في شرعنا. ثمّ اختلفوا، فالأكثرون منهم على أنّ"أهرمن"محدث، ولهم في كيفيّة حدوثه أقوال عجيبة، والأقلّون منهم قالوا: إنّه قديم أزليّ، وعلى القولين فقد اتّفقوا على أنّه شريك للّه في تدبير هذا العالم، فخيرات هذا العالم من اللّه تعالى وشروره من إبليس، فهذا شرح ما قاله ابن عبّاس رضي اللّه عنهما.

فإنّ قيل: فعلى هذا التّقدير: القوم أثبتوا للّه شريكا واحدا وهو إبليس، فكيف حكى اللّه عنهم أنّهم أثبتوا للّه شركاء؟

والجواب: أنّهم يقولون: عسكر اللّه هم الملائكة، وعسكر إبليس هم الشّياطين، والملائكة فيهم كثرة عظيمة، وهم أرواح طاهرة مقدّسة، وهم يلهمون تلك الأرواح البشريّة بالخيرات والطّاعات. والشّياطين أيضا فيهم كثرة عظيمة، وهي تلقي الوساوس الخبيثة إلى الأرواح البشريّة، واللّه مع عسكره من الملائكة يحاربون إبليس مع عسكره من الشّياطين، فلهذا السّبب حكى اللّه تعالى عنهم أنّهم أثبتوا للّه شركاء من الجنّ، فهذا تفصيل هذا القول. [إلى أن قال:]

المسألة الثّانية: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ معناه:

وجعلوا الجنّ شركاء للّه.

فإن قيل: فما الفائدة في التّقديم؟

قلنا: قال سيبويه: إنّهم يقدّمون الأهمّ الّذي هم بشأنه أعنى، فالفائدة في هذا التّقديم استعظام أن يتّخذ للّه شريك، سواء كان ملكا أو جنّيّا أو إنسيّا أو غير ذلك، فهذا هو السّبب في تقديم اسم اللّه على الشّركاء. [ثمّ ذكر القراءات] (13: 113)

البيضاويّ: أي الملائكة بأن عبدوهم، وقالوا:

الملائكة بنات اللّه. وسمّاهم جنّا لاجتنانهم تحقيرا لشأنهم، أو الشّياطين لأنّهم أطاعوهم كما يطاع اللّه تعالى، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم، أو قالوا:

اللّه خالق الخير وكلّ نافع، والشّيطان خالق الشّرّ وكلّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت