فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 150
قال: من الّذي جعلوه شريكا؟ فقيل له: هم الجنّ، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه، والانتقاص لمن جعلوه شريكا للّه.
وقرأ شعيب بن أبي حمزة (الجنّ) بخفض النّون، ورويت هذه عن أبي حيوة وابن قطيب أيضا.
قال الزّمخشريّ: وقرئ على الإضافة الّتي للتّبيين، والمعنى أشركوهم في عبادته، لأنّهم أطاعوهم كما يطاع اللّه، انتهى.
ولا يتّضح معنى هذه القراءة، إذ التّقدير: وجعلوا شركاء الجنّ للّه، وهذا معنى لا يظهر، والضّمير في (و خلقهم) عائد على الجاعلين؛ إذ هم المحدّث عنهم، وهي جملة حاليّة، أي وقد خلقهم وانفرد بإيجادهم دون من اتّخذه شريكا له وهم الجنّ. فجعلوا من لم يخلقهم شريكا لخالقهم، وهذه غاية الجهالة.
وقيل: الضّمير يعود على (الجنّ) أي واللّه خلق من اتّخذوه شريكا له، فهم متساوون في أنّ الجاعل والمجعول مخلوقون للّه، فكيف يناسب أن يجعل بعض المخلوق شريكا للّه تعالى.
وقرأ يحيى بن يعمر (و خلقهم) بإسكان اللّام، وكذا في مصحف عبد اللّه، والظّاهر أنّه عطف على (الجنّ) أي وجعلوا خلقهم الّذي ينحتونه أصناما شركاء للّه، كما قال تعالى: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ الصّافّات: 95، 96، فالخلق هنا واقع على المعمول المصنوع بمعنى المخلوق. (4: 193)
نحوه أبو السّعود (2: 422) ، والآلوسيّ (7: 241)
رشيد رضا: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَ أي وجعل هؤلاء المشركون للّه سبحانه شركاء- وفسّر هؤلاء الشّركاء بالجنّ على طريق البدل النّحويّ- ولم يقل: وجعلوا الجنّ شركاء للّه، بل قدّم وأخّر في النّظم، لإفادة أنّ محلّ الغرابة والنّكارة أن يكون للّه شركاء لا مطلق وجود الشّركاء، ثمّ كون الشّركاء من الجنّ، فقدّم الأهمّ فالأهمّ. ولو قال:"و جعلوا الجنّ شركاء للّه"لأفاد أنّ موضع الإنكار أن يكون الجنّ شركاء للّه لكونهم جنّا، وليس الأمر كذلك، بل المنكر أن يكون للّه شريك من أيّ جنس كان.
وفي المراد ب"الجنّ"هنا أقوال:
أحدها: أنّهم الملائكة فقد عبدوهم، روي هذا عن قتادة والسّدّيّ.
والثّاني: أنّهم الشّياطين، فقد أطاعوهم في أمور الشّرك والمعاصي، روي عن الحسن، وسنشير إلى شاهد يأتي له بعد عشرين آية.
والثّالث: أنّ المراد ب"الجنّ"إبليس، فقد عبده أقوام وسمّوه ربّا، ومنهم من سمّاه إله الشّرّ والظّلمة، وخصّ الباري بألوهيّة الخير والنّور.
وروي عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّها نزلت في الزّنادقة الّذين يقولون: [و ذكر ما تقدّم عنه]
ورجّحه الرّازيّ وضعّف ما سواه، وقال: إنّ المراد بالزّنادقة: المجوس الّذين قالوا: إنّ كلّ خير في العالم فهو من"يزدان"وكلّ شرّ فهو من"أهرمن"أي إبليس.
فأمّا كون إبليس والشّياطين من الجنّ فقطعيّ، وأمّا كون الملائكة منهم فقيل: إنّه حقيقيّ، لأنّهم من العوالم الخفيّة، فتصدق عليهم كلمة الجنّ، وقيل: إنّه مجازيّ،