فهرس الكتاب

الصفحة 5605 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 155

وعصيانهم تكلّف، وطاعة البشر تكلّف، ومتابعة الهوى منهم طبع، ولأنّه تعالى ذكر من هاروت وماروت ما ذكر، وهما ملكان.

على أنّه لا دليل على أنّ هناك فروقا جوهريّة بين الملائكة والجنّ، بها يمتاز أحدهما من الآخر، بل هي فروق في الصّفات فحسب، والجميع من عالم الغيب، لا نعلم حقيقتهم ولا نضيف إليها شيئا، إلّا إذا ورد به نصّ عن المعصوم. (15: 162)

مكارم الشّيرازيّ: كما نعلم أنّ الملائكة أطهار ومعصومون، كما صرّح بذلك القرآن الكريم بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ الأنبياء: 26، 27.

ويعود سبب عدم وجود التّكبّر والغرور ودوافع ارتكاب الذّنوب لدى الملائكة، إلى أنّ العقل لا الشّهوة يتحكّم في أعماقهم.

من ناحية ثانية، يتداعى إلى الذّهن من خلال استثناء إبليس في الآيات المذكورة أعلاه- وآيات أخرى في القرآن الكريم- أنّه من صنف الملائكة، بأنّه كان منهم. وهنا يرد على عصيانه وتمرّده الإشكال التّالي: كيف تصدر ذنوب كبيرة عن ملك من الملائكة؟

وقد جاء في نهج البلاغة"ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنّة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا".

الآيات المذكورة تحلّ لنا رموز هذه المشكلة، حينما تقول: (كان من الجنّ) ، والجنّ كائنات خفيّة عن أنظارنا، لها عقل وإحساس وغضب وشهوة، ومتى ما وردت في القرآن كلمة"الجنّ"فإنّها تعني هذه الكائنات. لكن من يعتقد من المفسّرين بأنّ إبليس كان من الملائكة، فإنّما يفسّر الآية المذكورة آنفا بمفهومها اللّغويّ، ويقول: إنّه يفهم من عبارة كانَ مِنَ الْجِنِ أنّه كان خفيّا عن الأنظار كسائر الملائكة، وهذا المعنى خلاف الظّاهر تماما.

ومن الدّلائل الواضحة الّتي تؤكّد ما ذهبنا إليه من المعنى، أنّ القرآن الكريم يقول في الآية (15) من سورة الرّحمن: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ومن جانب آخر كان منطق إبليس عند ما امتنع عن السّجود لآدم خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ الأعراف: 12.

هذا بالإضافة إلى أنّ الآيات الشّريفة أعلاه قد أشارت إلى أنّ لإبليس ذرّيّة في حين أنّ الملائكة لا ذرّيّة لهم.

إنّ ما ذكرناه آنفا، مضافا إليه التّركيبة الجوهريّة للملائكة تثبت أنّ إبليس لم يكن ملكا، لكن آية السّجود لآدم شملته- أيضا- لانضمامه إلى صفوف الملائكة، وكثرة عبادته للّه، وطموحه للوصول إلى منزلة الملائكة المقرّبين.

وإنّما بيّن القرآن امتناع إبليس عن السّجود بشكل استثنائيّ، وأطلق عليه عليّ عليه السّلام في الخطبة القاصعة في"نهج البلاغة"كلمة"الملك"كتعبير مجازيّ.

جاء في كتاب"عيون الأخبار"عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام ما معناه:"إنّ الملائكة معصومون ومحفوظون من الكفر بلطف اللّه". يقول الرّاوي: قلت للإمام: ألم يكن إبليس ملكا؟، فقال:

"كلّا، إنّه كان من الجنّ". (9: 266)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت