فهرس الكتاب

الصفحة 5612 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 162

أي غير مقطوع، فهذه الجنّة لو كانت هي الّتي دخلها آدم عليه السّلام لما فنيت، لكّنها تفنى لقوله تعالى: كُلُّ شَيْ ءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ القصص: 88، ولما خرج منها آدم عليه السّلام، لكنّه خرج منها وانقطعت تلك الرّاحات.

وخامسها: أنّه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدئ الخلق في جنّة يخلدهم فيها ولا تكليف، لأنّه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل، ولأنّه لا يهمل عباده بل لا بدّ من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد.

وسادسها: لا نزاع في أنّ اللّه تعالى خلق آدم عليه السّلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصّة أنّه نقله إلى السّماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السّماء لكان ذلك أولى بالذّكر، لأنّ نقله من الأرض إلى السّماء من أعظم النّعم، فدلّ ذلك على أنّه لم يحصل؛ وذلك يوجب أنّ المراد من الجنّة الّتي قال اللّه تعالى له: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ، جنّة أخرى غير جنّة الخلد.

القول الثّاني: وهو قول الجبّائيّ: أنّ تلك الجنّة كانت في السّماء السّابعة، والدّليل عليه قوله تعالى: اهْبِطُوا مِنْها، ثمّ إنّ الإهباط الأوّل كان من السّماء السّابعة إلى السّماء الأولى، والإهباط الثّاني كان من السّماء إلى الأرض.

القول الثّالث، وهو قول جمهور أصحابنا: إنّ هذه الجنّة هي دار الثّواب، والدّليل عليه أنّ الألف واللّام في لفظ (الجنّة) لا يفيدان العموم، لأنّ سكنى جميع الجنان محال، فلا بدّ من صرفها إلى المعهود السّابق، والجنّة الّتي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثّواب، فوجب صرف اللّفظ إليها.

والقول الرّابع: أنّ الكلّ ممكن، والأدلّة النّقليّة ضعيفة ومتعارضة، فوجب التّوقّف وترك القطع، واللّه أعلم. (3: 3)

القرطبيّ: (الجنّة) : البستان، وقد تقدّم القول فيها. ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدريّة؛ من أنّه لم يكن في جنّة الخلد، وإنّما كان في جنّة بأرض عدن. واستدلّوا على بدعتهم بأنّها لو كانت جنّة الخلد لما وصل إليه إبليس، فإنّ اللّه يقول: لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ الطّور: 23، وقال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا النّبأ: 35، وقال: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا* إِلَّا قِيلًا سَلامًا الواقعة: 25، 26، وأنّه لا يخرج منها أهلها لقوله: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ الحجر: 48.

وأيضا فإنّ جنّة الخلد هي دار القدس، قدّست عن الخطايا والمعاصي تطهيرا لها. وقد لغا فيها إبليس وكذب، وأخرج منها آدم وحوّاء بمعصيتهما.

قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من اللّه وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد، وهو في دار الخلد والملك الّذي لا يبلى؟

فالجواب: أن اللّه تعالى عرّف (الجنّة) بالألف واللّام، ومن قال: أسأل اللّه الجنّة، لم يفهم منه في تعارف الخلق إلّا طلب جنّة الخلد. ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنّة لتغرير آدم، وقد لقى موسى آدم عليهما السّلام، فقال له موسى: أنت أشقيت ذرّيّتك وأخرجتهم من الجنّة، فأدخل الألف واللّام ليدلّ على أنّها"جنّة الخلد"المعروفة، فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لردّ على موسى؛ فلمّا سكت آدم على ما قرّره موسى، صحّ أنّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت