فهرس الكتاب

الصفحة 5614 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 164

وامتناع رجوع ما في الثّاني إليها إلّا في الآخرة وقليل من يكاشفه بخلاف الأوّل، ولذلك يشاهد كبراؤنا ويكاشف البرزخ الأوّل، فيعلم ما يريد أن يقع في العالم الدّنياويّ من الحوادث، ولا يقدر على مكاشفة أحوال الموتى، انتهى.

واحتجّوا على المغائرة بينهما أيضا بوجوه:

أحدها: إنّ هذه الجنّة لو كانت هي دار الثّواب لكانت جنّة الخلد، وكان من دخلها لم يخرج منها، لقوله تعالى: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ الحجر: 48، وقد خرج آدم وزوجته منها، فليست هي بجنّة الخلد.

أقول: هذا ضعيف، لأنّ ذلك إنّما يكون إذا استقرّ أهل الجنّة فيها للجزاء والثّواب، والوصول إلى الغاية والنّهاية، فأمّا قبل ذلك فإنّ كلّ شي ء هالك إلّا وجهه.

الثّاني: إنّ آدم لو كان في جنّة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى طه: 120، ولما سمع قوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ الأعراف: 20.

أقول: استحالة ذلك في بداية الأمر وقبل خروج النّفس من القوّة إلى الفعل ممنوع، فإنّ الإنسان ما لم يقع في دار التّكليف والابتلاء، فهو بعد سريع القبول للوقائع.

الثّالث: إنّ إبليس لمّا امتنع من السّجود لعن، فما كان يقدر مع غضب اللّه عليه على أن يصل إلى جنّة الخلد.

أقول: كما استحال عقلا أن يدخل إبليس- بعد طرده ولعنه- الجنّة الآخرة، كذلك استحال دخوله في الجنّة السّابقة، إلّا أنّ العلماء ذكروا كيفيّة دخوله: أنّه على سبيل الاختلاس والاجتياز في أوقات قليلة نادرة، كسارق يريد أن يدخل دار السّلاطين ويختطف منها شيئا، ولذا قالوا: ويجوز أن يكون وسوسة إبليس من خارج الجنّة، من حيث يستمعان كلامه.

الرّابع: إنّ الجنّة الّتي هي دار الثّواب لا يفنى نعيمها، لقوله تعالى: أُكُلُها دائِمٌ الرّعد: 35، وقوله: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ هود: 108، أي غير مقطوع. فهذه الجنّة لو كانت هي الّتي دخلها آدم فلم يخرج منها آدم وزوجته، لكنّهما قد خرجا منها.

أقول: هذا كالوجه الأوّل ويرد عليه شبه مامرّ، والتّحقيق الّذي عليه التّعويل أنّ الدّارين واحدة بالذّات، متغائرة بالاعتبار، وكذا جميع بدايات المقامات، بالقياس إلى نظائرها من النّهايات، فعليه يحمل أقوال أهل المعرفة واختلافهم.

وأمّا أهل النّكرة والحجاب، فمنهم من قال: إنّ هذه الجنّة الّتي خرج منها آدم كانت في الأرض لا في السّماء، وهو قول أبي القاسم البلخيّ، وأبي مسلم الأصفهانيّ، وبه قال بعض أصحابنا، فحملوا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة، كما في قوله: اهْبِطُوا مِصْرًا.

وربّما عيّن وقيل:"إنّه بستان كان بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان، خلقها اللّه امتحانا لآدم"وحمل الإهباط على الانتقال منه الى أرض الهند.

واستدلّ على ذلك بأنّه لا نزاع في أنّ اللّه خلق آدم عليه السّلام في الأرض، ولم يذكر في هذه القصّة أنّه نقله إلى السّماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السّماء، لكان ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت