فهرس الكتاب

الصفحة 5615 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 165

أولى بالذّكر، لأنّ نقله من الأرض إلى السّماء من أعظم النّعم، فدلّ على أنّ ذلك لم يحصل؛ وذلك يوجب أنّ المراد من (الجنّة) الّتي قال اللّه: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ليست في غير الدّنيا.

ومنهم من قال: إنّ تلك الجنّة كانت في السّماء السّابعة، والدّليل عليه قوله: اهْبِطُوا وهو قول الجبّائيّ. قالوا:"إنّ الإهباط الأوّل كان من السّماء السّابعة إلى السّماء الأولى، والإهباط الثّاني كان من السّماء إلى الأرض".

ومنهم من قال: إنّ هذه الجنّة هي دار الثّواب، بدليل أنّ الألف واللّام في لفظ (الجنّة) لا يفيدان العموم، لأنّ سكون جميع الجنان محال، فلا بدّ من صرفهما إلى المعهود السّابق إلى الفهم. والجنّة الّتي هي المعهود المعلوم بين المسلمين هي دار الثّواب، فوجب صرف اللّفظ إليها وهو قول المفسّرين، والحسن البصريّ، وعمرو بن عبيدة، وواصل بن عطاء وكثير من المعتزلة، وأصحاب أبي الحسن الأشعريّ. وهو المختار عند الإمام الرّازيّ في تفسيره"الكبير".

ومنهم من قال: إنّ الكلّ ممكن، والأدلّة النّقليّة ضعيفة، ومع ضعفها متعارضة، فوجب التّوقّف وترك القطع. (3: 81)

البروسويّ: [نحو الشّربينيّ وأضاف:]

وفيه نظر، لأنّ الهبوط قد يستعار للانتقال إذا ظهر امتناع حقيقته واستبعادها، وهناك ليس كذلك.

رشيد رضا: قد اختلف علماء المسلمين من أهل السّنّة وغيرهم في (الجنّة) هل هي البستان أو المكان الّذي تظلّله الأشجار بحيث يستتر الدّاخل فيه، كما يفهمه أهل اللّغة؟ أم هي الدّار الموعود بها في الآخرة؟

والمحقّقون من أهل السّنّة على الأوّل. قال الإمام أبو منصور الماتريديّ في تفسيره المسمّى ب"التّأويلات":

نعتقد أن هذه (الجنّة) بستان من البساتين أو غيضة من الغياض، كان آدم وزوجه منعّمين فيها، وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها، وهذا هو مذهب السّلف، ولا دليل لمن خاض في تعيين مكانها من أهل السّنّة وغيرهم. (1: 276)

مكارم الشّيرازيّ: يبدو أنّ الجنّة الّتي مكث فيها آدم قبل هبوطه إلى الأرض، لم تكن الجنّة الّتي وعد بها المتّقون، بل كانت من جنان الدّنيا، وصقعا منعّما خلّابا من أصقاع الأرض، ودليلنا على ذلك:

أوّلا: الجنّة الموعودة في القيامة نعمة خالدة، والقرآن ذكر مرارا خلودها، فلا يمكن إذن الخروج منها.

ثانيا: إبليس الملعون ليس له طريق للجنّة، وليس لوسوسته مكان هناك.

ثالثا: وردت عن أهل البيت عليهم السّلام روايات تصرّح بذلك، منها: ما روي عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليهما السّلام أنّه سئل عن جنّة آدم، فقال:"جنّة من جنّات الدّنيا، يطلع فيها الشّمس والقمر، ولو كان من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا".

من هذا يتّضح أنّ هبوط آدم ونزوله إلى الأرض لم يكن مكانيّا بل مقاميّا، أي أنّه هبط من مكانته السّامية، ومن تلك الجنّة المزدانة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت