المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 10، ص: 208
لوجه من الشّبه، وقيل: حمل الشّي ء على الشّي ء وإجراء حكمه عليه لشبه بينهما عند الحامل.
وقال أبو هاشم رحمه اللّه:"حمل شي ء على شي ء وإجراء حكمه عليه"، ولذلك سمّي المكيال مقياسا، من حيث كان يحمل عليه ما يراد كيله، وكذلك يسمّون ما يقدر به النّعّال مقياسا أيضا، ولذلك لا يستعمل"القياس"في شي ء من غير اعتبار له بغيره، وإنّما يقال:
قست الشّي ء بالشّي ء، فلا يقال لمن شبّه شيئا بشي ء من غير أن يحمل أحدهما على الآخر ويجري حكمه عليه:
قايس، ولو جاز ذلك لجاز أن يسمّى اللّه تعالى قايسا، لتشبيهه الكافر بالميّت، والمؤمن بالحيّ، والكفر بالظّلمة، والإيمان بالنّور.
ومن قال:"القياس": استخراج الحقّ من الباطل، فقد أبعد، لأنّ النّصوص قد يستخرج بها ذلك ولا يسمّى قياسا، ومثال القياس قولك: إذا كان ظلم المحسن لا يجوز من حكيم فعقوبة المحسن لا تجوز منه، والفقهاء يقولون:
هو حمل الفرع على الأصل لعلّة الحكم.
و"الاجتهاد"موضوع في أصل اللّغة لبذل المجهود، ولهذا يقال: اجتهد في حمل الحجر، إذا بذل مجهوده فيه، ولا يقال: اجتهدت في حمل النّواة. وهو عند المتكلّمين:
ما يقتضي غلبة الظّنّ في الأحكام الّتي كلّ مجتهد فيها مصيب، ولهذا يقولون: قال أهل الاجتهاد: كذا، وقال أهل القياس: كذا، فيفرّقون بينهما. فعلى هذا الاجتهاد أعمّ من القياس، لأنّه يحتوي على القياس وغيره.
وقال الفقهاء: الاجتهاد: بذل المجهود في تعرّف حكم الحادثة من النّصّ، لا بظاهره ولا فحواه، ولذلك قال معاذ:"أجتهد رأيي فيما لا أجد فيه كتابا ولا سنّة". وقال الشّافعيّ:"الاجتهاد والقياس واحد"وذلك أنّ الاجتهاد عنده هو أن يعلّل أصلا ويردّ غيره إليه بها، فأمّا الرّأي: فما أوصل إليه الحكم الشّرعيّ من الاستدلال والقياس، ولذلك قال معاذ:"أجتهد رأيي".
وكتب عمر:"هذا ما رأى عمر"، وقال عليّ عليه السّلام:
"رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، ثمّ رأيت بيعهنّ"يعني أمّهات الأولاد، وفيه دلالة على بطلان قول من يردّ الرّأي ويذمّه.
والتّرجيح: ما أيّد به العلّة، والخبر، إذا قابله ما يعارضه.
والاستدلال: أن يدلّ على أنّ الحكم في الشّي ء ثابت من غير ردّه إلى أصل.
و"الاجتهاد"لا يكون إلّا في الشّرعيّات، وهو مأخوذ من بذل المجهود واستفراغ الوسع في النّظر في الحادث، ليردّه إلى المنصوص، على حسب ما يغلب في الظّنّ، وإنّما يوسع ذلك مع عدم الدّلالة والنّصّ. ألا ترى أنّه لا يجوز لأحد أن يقول: إنّ العلم بحدوث الأجسام اجتهاد، كما أنّ سهم الجدّ اجتهاد، ولا يجوز أن يقال:
وجوب خمسة دراهم في مئتي درهم مسألة اجتهاد، لكون ذلك مجمعا عليه. وقد يكون القياس في العقليّات، فالفرق بينه وبين الاجتهاد ظاهر. (60)
الهرويّ: الجهاد: المبالغة واستفراغ ما في الوسع بحرب أو لسان. أو ما أطاق من شي ء. وفي حديث أمّ معبد:"شاة خلّفها الجهد عن الغنم"أي الهزال، يقال:
جهد الرّجل فهو مجهود، إذا هزل.